رب العباد جعل من الماء كل شئ حي ، فلا حياة لأي كائن بدون ماء ، هذا الماء الذي
يشكل ثلاثة أرباع كوكبنا الذي يعج بالمتناقضات ، فالمساحات الشاسعة في بلادنا ما
أحوجها لقطرة ماء ، فعلى الرغم من مشروعنا الضخم لاستخراج مياه عذبة ، إلا أن
الأيدي في كل العصور والأزمنة ترفع ضارعة لله عز وجل لكي ينزل المطر ، وترص الصفوف
غير المزركشة مظهرة الذل لله والخوف منه ، والأمل في أن يجري السحاب إلى بلد ميت ،
فيحيي الأرض بعد موتها ، ويملأ ( الجوابي ) وما أدراك ما ( الجوابي ) ، فمن أصحاب
هذه ( الجوابي ) - التي تبنى في أحياء عديدة من طبرق بين العمارات كالأضرحة – رجل
سمعته يدعو الله ويتضرع داخل أحد المساجد ، وعيناه تذرفان الدمع ، لا أخفيكم أنني
اقتربت منه لأسمع ما يقول ، جلست بجانبه لم يحس بوجودي ، وكان يردد بصوت مبحوح :
اللهم لا تنزل الغيث ، يا رب الأرباب فكنا من المطر ، يا الله يا عالم بحالي لا
تنزل علينا المطر ، اللهم لا تنزل الغيث استغيثك يا رب أن تسمع دعائي ، ...
حقيقة كنت مندهشاً من هذا الدعاء ، وتناسيت أنني في مسجد وصرخت في وجهه ونهرته
على هذا الدعاء ، فقال لي : بالطبع أنت لا يهمك شئ من أمر المطر ، بل أنت حتماً من
أصحاب المساكن الصحية الذين تشعرون بالأمن والراحة والدفء والسكينة ، أما أنا ففي
كل فصل شتاء أعذب ، بل أرقص كالمجنون في جنح الظلام ، البرد خصمي ، والرياح عندما
تتحرك تعلن علي الحرب بلا هوادة ، أصوات الزنك أصمت أذناي ، والأتربة أستطعمها في
حلقي صباح مساء ، بل أتنفسها في كل حين ، أما المطر فإنه مرعبي ، يأتيني في المنام
، فعندما تلبد السماء بالغيوم أركض أنا وزوجتي وكأن مس أصابنا ، نحمل الفرش ونضعه
في ركن من أركان الغربال الذي نسكنه ، ونغطيه بالنايلون ، ونهرع إلى جارنا نودع
لديه جهاز التلفاز لكي لا يصاب بنعمة ذلك الغيث ، وما أن يبدأ المطر في الهطول حتى
نبدأ في توزيع الأواني داخل الحجرات ، ونقضي عدة أيام في حضرة سيمفونية غيثهوفن
تعزف على قطرات داخل أواني اعتادت كل شتاء أن تشكل بانوراما مطرية ، أطفالنا ترتفع
حرارتهم ، ثم تنخفض لتبدأ في الارتفاع ثانية ، المطر علمنا البخل فلا نستطيع أن
ندعو أحداً للبيت ، لأن الضيف قد لا يجد مساحة فارغة بين الصحون ، هل عرفت لماذا
أخشى هطول المطر ؟ ، لم أتفوه له بكلمة واحدة ، فقال لي مرة أخرى : لا تخف فأنا كل
عام أدعو بهذا الدعاء ، ورحمة الله وسعت كل شئ .