كنت انتظره لأنّهُ قال
سأعود..مرت السنون..مر
عشرون
عاماً..بقى كل شيء يعي في
كُلِّ زاويةٍ من زوايا بيتنا الصغير.. أوراق كتابه يومياته بندقية صيده..مجموعة
لوحاته.
كانت أحداها تمثل مجموعة من
أكواب الفخار المكسرة عدا كوب واحد.
لوحة أخرى لحمامةً بيضاءً تحمل
غصن زيتون وتطير بلا جناحين.. ولوحة لامرأة تقف على صخرةٍ مرتفعةٍ على شاطئ بحر
ارتفعت أمواجه تحت ظلمة غياب الشمس.
إضاءات من أثر نور البحر الذي
يعكس وميض البرق تحت أقدامها وكأنها تحترق.
جزء من دفتر يومياته في أَحد
أدراج مكتبه.. كرسيه..وكرسي آخر كنت أجلس عليه في الأوقات التي كنا نتحدث فيها عن
أي شيء.. وبعض كتب عن الفن والشعر والأدب وصحف ومجالات قديمة.. تطرقنا في حديثنا
مرة إلى لوحة المرأة التي رسمها تقف على صخرة كبيرة، والأمواج عالية، وكأنه عبر عن
وقت لوحته بالليل.
تأثيرها فيّ، وشعوري أنها جزء
مني، سألته عنها.. لماذا رسمت اللوحة هكذا؟ ماذا تريد أن تقول؟ نظر لي وابتسم وكان
هادئاً وقال: ما حدث كان خارجاً عن إرادتي.. هناك أمورٌ تُفرض علة الإنسان حسب رغبة
شعوره..إنها أوامر غير مرفوضة.. يحدث هذا في أوقات يجد الإنسان فيها نفسه متحرراً
من كل قيود الخوف والخجل ويقول للناس هذا ما أريده.. هذه هي لحظات الحقيقة التي
يعيشها الإنسان مع ذاته.. فيدون ما يدور في مخيلته.. شعراً.. وكتابة.. ورسماً..
ربما هذا هو الذي حدث ورسمت تلك اللوحة.
أذكر أنه قال: أنا نفسي لا
أدري كيف حدث هذا؟
جزما هذه اللوحة هي أنت..
بُثينة.
كنت صامتة وتائهة ..وكنت
أصدقه.
في قصاصات أوراق من يومياته
وجدت أنّه كتب جزءاً من شعر كتبته يوماً وهي محاولةٌ عبرت فيها عن إحساسي وعوري
نحوه.. سميتها "أدعاء".
قلت.. أدعٍ أنّك تحبني.
قال أي شيء أدعاء.
لا تدعني في الدرب وحدي.
يا حبيبي فأدعِ.
لا تدعني أغرق في همومي.
لا تدعني أفقدك.
قل أي شيء أدعاء .
قلت لي يوماً.
أني أحبك.
إذا لا تدعي.
هذا ما تبقي من خواطر كتبها
ودودنها في يومياته.
شعرت أن الوقت يمرُّ ببطء وأنّ
الزمنَ وكأنه توقف ليغيضني.. إنّ موعد هبوط الطائرة التي تقلُّّهُ
هو الخامسة مساءً.
أريدُ أن أسبقَّ الزمنَ.. أن
أقول للناس من يشاركني فرحتي بقدمه.. الإنسان الذي أخلص لي..لم يتركني.. لم يصدق ما
قاله الفاسدون والساقطات عني وقف في وجوههم .. قال أنا جزء من هذه المرأة .. إنها
هي عالمي المجهول الذي كنت أبحث عنه.
إنكم تحكمون على إنسانه من
خلال أخلاقكم الفاسدة ..دعونا وشأننا ..إنها زوجتي نعم أني تزوجتها..
بقى معي كظلي كأنفاسه وكهذه
الدنيا..
شعرت بأنني في حاجة لمن أقول
له أني انتظر أعو الناس وأحبّ الناس لقلبي... أنه زوجي.
جاءت قطة ربيتها تؤنس وحدتي..
وتاركني فرحة الانتظار.. صعدت ومسحت برأسها على صدري .. وعبثت برجليها الأماميين
على كتفي.
تركتها تنتظرني حتى أعودُّ
معهُ.
وصلت يا لروعة هذا الحد من
البشر شعرت أن كل سكان هذه المدينة يشاركونني فرحتي.. مجموعات.. وأحاديث مختلفة..
همسات ضحكات مسموعة.. نداءات على أشخاص.
أزيز عربات صغيرة تحمل الحقائب
وأشياء للمسافرين.. الطائرة القادمة عند عودتها.. أنا لست وحدي.. معي من ينتظر.. كل
واحد وكل أسرة تنتظر عزيزاً عليها قادماً على متن الرحلة.
مضت فترة بعد الساعة الخامسة
على هبوط الطائرة القادمة.
بداية الشتاء.. الشمس لفت
نفسها خجولة في قطع من الغيوم السوداء الكبيرة وكأنها تعبر عن أمر حدث شهدت عليه
قبل هؤلاء المنتظرين.
نسمة باردة.. يحسُ فيها
الإنسان بأنه في حاجة إلى أي شيء دافئ.
حبات من المطر تساقطت من
السماء.. وخيوط البرق تضيء على الأرض.. وصمت عمّ المكان.. وكأن كل هؤلاء المنتظرين
خص واحدٌ.
وبدأت بعض الهمسات غير مفهومة
ولا مسموعة.. وصوت آخر يخرق الصمت والهمسات آت من برج المطار يعلن أنه بكل أسف وحزن
أن الطائرة القادمة قد اخترقت وسقطت بكل ركابها..
وسقطت وسقط قلبي في داخلي
وصرخت لا أدري إلى أين أنا ذاهبة؟
الآن وحدي هذا ما حدث منذ
عشرين عام.. هذه هي الدنيا.. وهذا قدري..
أكتبها إن شئت .. وإن شئت
احتفظ بها إنها جزء من حياتي.. وأمن جزء من أبيك.. نظرت إليها إنهاء الوفاء كله..
أردت أن أقول شيئاً.. ولكن فضلت الصمت وخرجت..
انتهت..
..............................................
" التعليق"
لم
يجد التهامي وللأسف نهاية أجمل لقصته فوضع نهايتها المأسوية كلوحة رسمها بطل قصته
لفتاة وكأنها تحترق بالبرق فكان أن احترق قلبها وسط لمعانه.. وترك التهامي قطته
وحيدة دون مؤنس .. ولم نشهد النهاية الجميلة لقصته السابقة "لن يعود القارب وحيداً
والذي ظهر فيه كلبه يرسم نهاية سعيدة ..آه يا تهامي .. لماذا قسوة على هذين
القلبين؟ لماذا قسوت .. وتركت أولئك الذين طعنوا في شرف محبوبته دون رادع..تركتهم
يمرحون.. وكتبت التعاسة على قلوب أحبت بنقاء.. وعلى قلبين عاشا للحب، و افترقا دون
ذنب ..لم تستطع السنوات أن تفرق بينهما.. ففرق بينهما موت أحدهما جسدياً.. فاحترق
وكأن تلك اللوحة التي رسمها البطل.. والغيوم السوداء.. تنذر بنهاية حب عذري أراد
صاحبه أن لا يكتمل.
لله درك يا تهامي!! لماذا فعلت بنا هذا.. لأقول شيئاً في هذا المقام سوى.. هذه هي
الحياة بحلوها ومرّها ولا يمكن أن نفرض على الكاتب سوى ما يريده ويره هو بنفسه..
لم يسمع التهامي ندائي وقال لي...
أشر وعلق فأنا أيضاً تمنيت نهاية أفضل لبطلي.
فتحي الرفـادي
31/
12/ 2009