الرئيسة رسائلكم دليل الهواتف أخبار اتصـــل بنــــا
معرض الصور الطقسمواقيت الصلاةالوفيات هــــويــتنـــا

 سليمان محمود سليمان

أطياف من الزمن الباهي..

11/9/2007

12

البيــــــت

فى مرحلة من عمر الطفولة كل سكان طبرق ، - أتحدث عن طبرق بحكم الموقع والتواجد - باديتهم والحضر ، الجميع يسكن البيوت " بيت الشعر"، ويوجد نوعين من هذه البيوت : بيت الصيف والآخر بيت الربيع ، الأول يستخدم فى الصيف ومعظمه من القماش والخيش ، والثاني من الصوف وشعر الماعز .  ويتكون البيت وحسب التسمية فى ذلك الزمن الباهي من: عدد 14 " رمة "  و14 " " جازل _ زازل – " و عدد 2 " جابر  - عامود – " و عدد 2 " كربة " وعمودان فى طرف البيت تسمى " الأكمام " وعددها 2 ، وأربعة أعمدة فى زوايا البيت يطلق عليها " الخماميس " ومفردها " خمًاسة" .

وعامودان فى مدخل البيت ، تسمى  " مقاديم "ويوجد 4 فى الخلف .وتثبت فى الأرض بالأوتاد ويطلق عليها " مثابت " ويشد البيت عدد 3 " طرايق "  ، الحمًال يوجد خلف البيت وعددها 2 ، وتقع الكرابة فى مدخل البيت ، ويوجد بالبيت حوالي 17 عاموداً بأسماء مختلفة .كما توجد الأروقة .

توجد مكملات للبيت " الأروقة " ومثبتات الأروقة تسمى " الخلًة " ومفردها " خلال ".

و" العطف " فى مدخل البيت ، توجد بقربه " الأثافي " (الأحجار التي نطلق عليها المناصب ) ، وعادة تتكون من ثلاثة ، لتوضع فوقها " القدر " المرجل ، أو " البرمة " وهى مصنوعة من مادة الكلس ،  ولا ننسى " المغرف " و " الزويلى " و" المحقن " القمع ،  " الشكوة " ، " الصوفة"  " والصماط ".

كل الأثاث فى أحد جانبي البيت ، فى ما يطلق عليه " النضدة " صندوق خشبي ، من خشب الزان ، به قفل ومفتاح ، يحدث صوتاً أثناء قفله أو فتحه ، بطاطين والهدمة ، ويوجد الحصير ، و " الحصير العبادي  والهدمة وأيضاً " أكليم ".كما توجد القصعة المصنوعة من الخشب والبطانية الحمراء .

فى فصل الشتاء ، تقوم ربة البيت بحفر قناة حول البيت ، تسمى " الناي" ( وليس المقصود بهذا الآلة الموسيقية )، وهى قناة حول البيت  لتغيير اتجاه مياه السيول المتدفقة .

فى الجانب الآخر يوجد " السدى " : تفرش الأرض بشجيرات وفى وسط الحبل تربط أطواق تسمى " الزرد"، فى هذا المكان تعزل الجديان وتربط بأطواق فى رقابها ، لعزلها عن أمهاتها ، وتختلط فى بعض الليالي صياح الجديان وصراخ الأطفال.

 فى زاوية من البيت توجد " الشكوة " وتلك تشبه حالياً المخاضة الكهربائية ، يوضع بها الحليب ، ليمخض ويتحول إلى لبن ، وتفصل عنه الزبد ليصبح سمناً .

توجد عدة الحمار أو عدة الفرس فى جانب من البيت .فى مرحلة لاحقة ترى " الفنار " أو المصباح معلق فى " الجابر " العامود ، وقبل هذا الزمن يوضع صحن به زيت ، وقطعة من القماش " الفتيلة " لتشتعل بعد غمسها فى الزيت.

تناول وجبة العشاء عند الغروب ، ويتم عادة على وهج النيران المشتعلة .

أمام النجع يوجد " المراح " ، الساحة التي تبيت فيها الأغنام ، وعادة أمام " النجع " وبعض البيوت أمامها " سلسلة حديدية تسمى " الطراحة " لتربط بها الخيل ، وعادة حصان أو فرس. وعلى مسافة ترى الحيوان الصبور الذي نظلمه بسب بعضنا البعض بقولنا وقت الغضب " أسكت يا حمار ( مع تقديري للقراء ) وأعنى به الحمار .

وما يثير العجب فى ذلك الزمن الباهي، فى فصل الشتاء ، البرق  والرعد ، وهطول الأمطار، وهنا يبدأ تسرب المياه ، من الجزء العلوي من البيت ، وفى زمهرير الشتاء ، تسقط المياه على الأجساد ، وتقوم الأم – الصبورة على تقلبات الزمن – بوضع أواني تحت كل ثقب فى البيت ، لتمنع المياه من الاندفاع داخل البيت، ونطلق عليه اسم " القاطر " . وكم أتعجب الآن من صوت اصطدام قطرات الماء بقاع الأواني ، إنها مقطوعة موسيقية ، نحب أن نسمعها ، ونعيش على ذكراها ، وترى بعض الكبار من الأطفال فى حالة طوارىء ، حيث يراقبون الأواني وعادة صحن أو قصعة ، لتفريغها من المياه. ....تحاول أن تنام وتتأكد من وجود رغيف صغير يطهى مع الخبز فى التنور اسمه " القنًان " ، يعطى لنا لنضعه تحت الوسادة المصنوعة من القش أو الصوف فى بعض الأحيان ، ابنة الصبي الآن  دكتورة فى الجامعة ، سألها عن " القنًان " أجابته نعم القنان هن الغواني...! وله عندنا نحن أبناء البوادي معنى آخر رغيف صغير إنه " القنًان.

ويمكن شرح المعاني لجيل لا يعرف بيت الشعر الذي عاش فيه جيلنا وأجيال سبقتنا ، وبعض من المعاصرين ، الذين لم تغيرهم الحضارة .

الرمة : حبل بطول 3 أمتار وعددها 14 رمة.

الجازل : قوس من شجر السدر .

المثبت : وتد من المعدن .

الرواق:عبارة عن ساتر لأجناب البيت .

الكربة : قطعة من الخشب لتثبيت البيت .

الخلال : من المعدن أو الخشب الرقيق ، لتثبيت " الرواق ".

الطريقة: من نسيج الصوف ،وعددها ثلاثة .

الخماسة : قوائم من الخشب لتثبيت البيت ، وعددها أربعة .

مقاديم : وعددها اثنان.

أمواخر: وعددها اثنان .

الرفة : وعددها أربعة ، وهى زوايا البيت .

الجابر : وعددها أربعة .

الأكمام : ( لكمام ) عددها اثنان ، أوتاد من الخشب بطول متران.

الحمًال وعددها اثنان ، وهى شريط من الصوف موازى للطريقة .

المسادي : عددها أربعة عشر ، سبعة فى كل جانب ، وهى : الرجل ، البدل ، الكمال ، الخياطة .

  قد يقول قائل وما فائدة تسمية لبيوت عفى عليها الزمن ، ويمكن القول أن الجذور مهمة فى حياة البشر ، إن الجذور هي التي تجعلنا نتمسك بعروبتنا وتراثها ، وأن نتذكر تاريخنا ، النصر والهزائم ، للعبرة ولاستخلاص الدروس . وكم أتخوف من جيل قادم بدون ذاكرة ، فالذاكرة مهمة للشعوب الأصالة ، هي التي جعلت من ذلك الشهيد لا يهاب الموت مزمجراً ناظراً بكبرياء نحو جلاديه ، ولزملائه من الرؤساء ، فلا نامت أعين الجبناء.

 

 ( معظم الأسماء أملتها على الحاجة هنية إدريس المبري ، حفيدة الشهيد المبري ، قائد معركة الناظورة ، أطال الله عمرها . وعبد السلام على يونس العبيدي ).

 

13

القنــــــان

كان خبز " التنور " محبب لنا نحن الصغار ، وكم نحب أكله ، بعد إخراجه من " التنور " مع الحليب ، الذي يحلب من الأغنام بعد عودتها بعد الغروب ، حليب صحي لا يحتاج إلى تعقيم ، فالأغنام تقتات على الأعشاب وشجيرات الصحراء ، وفى فصل الربيع تشم رائحة زهور البراري ، الأقحوان ، الزغليل ، ثم تلتقط " الكريشة " وفى بعض الأماكن فى شطيب الترك وفى السوينات ، وفى" البرجاسى" ووادي الشبرق والسد ،تقوم بجمع " الترفاس " القمحي " و " البرقوق " وتشم رائحة " الإكليل" و " الشيح " ,والقزاح ،لا يستخدمون الأعلاف المستوردة من الخارج والمختلطة بالمواد الكيماوية ، " القنان " يؤكل مع " شكشوكة البيض " أو زيت الزيتون.

وكان عندما يقوم الصبي بعمل جيد يكافأ – الطفل – بفردة " قنان " . والعجيب أنه تعود أن يضع القنان تحت الوسادة .

 فى زمن لا حق كانت المكافأة حلوى " الشكار " خلطة مصنوعة من السكاكر ، ولم يتذوق ألواح " الشكولاتة " إلاً فى مرحلة لاحقة من العمر . وكم تلذذ الصبي بأكل " المثرودة " .

 طهي الخبز يتم فى التنور أو على الجمر والرماد يسمونها " المدموسة " أو على أحجار فوق الرماد، وتسمى خبزة ( أحجر ) أو فوق آنية مسطحة ويطلق عليها اسم خبزة ( طاوا ) .

وكانت مرحلة تحويل الزبد إلى سمن والتي نسميها " الذوبة " ، مرحلة رائعة لنا نحن الصغار ، تعجن العجين وتخبز الخبز فى التنور ، ويوضع المرجل أو " البجوشة "  أو" البرمة " على النار وتوضع كمية من الزبد وتوضع " الدشيشة " أو أقراص من العجين . تستخرج " الرغوة " لنقوم بلعقها بأصابعنا ، نأكل الدشيش أو أقراص العجين " القنان " .

يستخرج السمن ويترك ليبرد ويوضع فى أواني للحفظ أو يوضع فى " الصوفة " المصنوعة من جلد الماعز. فى الزمن الباهي ، حيث العلاقات الإنسانية لم تدمرها المادة أو معارك من أجل الأرض ، يرسلون السمن والحليب لمن لا يملك ، ويمنحون " المنائح " لمن لا يملك ، أغنام ،ويرسلون قطع من اللحم لتوزع على الجيران ، يمنحون الأرض والبذور " البذار " ويمنحون الحيوان الذي يجر المحراث " الجابدة " ، وكانوا يتعاونون فى موسمي الحرث والحصاد ، والدراس ، وهى فصل الحبوب عن السنابل ويطلق عليها " الرًغاطة،  كان الحب يسود الجميع.....العلاقات الاجتماعية تربط بين الناس لصالح الناس وبحب الناس ..كان الزمن الباهي، زمن الطفولة لجيله من الصبيان . 

 

14

عيد الفطر ....زاوية المرصص

 

لقد زار الأطلال ، أطلال زاوية المرصص ، المنطقة التى تجمًع بها سكان طبرق، بعد أن تفرق ، وسكتت مدافع الحرب العالمية الثانية، وانجلى غبارها ، كما يقال.

 وكم عاش لحظات صمت ، تقديساً للمكان وللراحلين، وشعر بالحزن ، وتلاطمت الذكريات فى خواطره ، وشعر بالشخوص كما عرفها ، بل وتخيل أنها عادت إلى الحياة ، يسمع صوت البعض ، صوت أجش ، صوت قوى ، صوت واضح النبرات ، بل خليط من الأصوات، إنه ليس صوته ، وليس أصوات جيله ، إنه أصوات الآباء والأجداد ، صوت فيه من الصفاء والحنان،  وفيه نبرات لصوت يكبر لله العلى الواحد القهار " الله أكبر ...الله أكبر "، والذى يجعل من المؤمن طالباً للشهادة ومتقدما نحو الموت فداءً للوطن ، وفيه نبرات وأنين معتقلات البريقة والعقيلة وأنات الرجال والنساء من  جرًاء الجوع ومن جراء ضرب السياط ، والرجال  الذين قتلهم الكمد ،الإذلال والجوع ،المرض ، وضرب السياط، وأيضاً المشانق والمحاكم الطائرة .

 وزار مبنى الزاوية، ولقد تذكر كم أرتجف عند دخوله الزاوية للمرة الأولى مع والده ،منذ زمن بعيد. هناك يجلس الشيخ الوقور والمجاهد أحميدة صالح الشريف ، وهناك ابنه عمر ، وهنا ابن عمه على الشريف ، ولا أنسى أبنائه صفى الدين والطيب وهم من جيلنا  .

ذهب إلى أطلال المسجد المبنى من الطوب ، والذى يعتبر من الآثار ، وإنني أدعو هيئة الآثار،أن تقوم بترميمها وصيانتها، فالتاريخ والآثار ذاكرة الشعوب .

هناك اختلطت الأصوات الصبيان وفتاة واحدة حفيدة المجاهد احميدة صالح الشريف، _ أطال الله عمرها _ بترديد آيات القرآن الكريم ، ومما يثير الصبى وحتى الآن ،هو كيفية إلمام الفقيه بأخطاء الطلبة ، وهم يقرؤون بصوت عال ، وفى وقت واحد ، هناك تراءت له الشخوص ، ويسمع الهمسات ، وارتفاع الصوت أثناء التلاوة،ووقف أمام الساحة واتجه نحو المقبرة ، لقد بنى سور ، لم يكن موجوداً فى الزمن الخالى ، وجد قبور عرف أصحابها ، ولم يتعرف على قبر حسن السودانى الزليطنى الذى هتف له مع آخرين : يعيش حسن السودانى وهو يوارى الثرى، وبعض أبناء عمومته ، رجال عاصروا المشاهد وشاركوا فى مرحلة الجهاد ، رجال سمع منهم فى طفولته الحديث عن المعتقلات ، وكم تذكر بكاء البعض وهو يروى المشاهد كما رآها وكما عاشها ، بموتهم انقطع حبل يربطنا بتاريخ مجيد ، الجهاد ، والاستشهاد، وأيضا الموت والدمار. آل مفتاح ( عبدالله سعيد و موسى بوحردة وعلى ) يتحدثون عن ضرب متاح بألف سوط ، ومات تحت التعذيب .زار البيت بيت " الكرموسة " هنا جاء فى البداية مرتعباً تقوده أخته المرحومة هنية ، لتنظره فى الخارج ، لتعود به ، وتذكر أنه كان حافى القدمين ، وفى المرة القادمة سيفتخر بحذاء المطاط ونطلق عليه " الكويتش."

رجع إلى ساحة خالية وتذكر فى ذلك الزمن الباهى ، الإعلان عن عيد الفطر المبارك ، لم ينم أسوة بغيره من الصبيان ، فى الصباح لبس ثوباً جديداً وحذاء مطاط ، وكان عليه أن يحمل قصعة بها " العيش " والسمن ، والعيش يطلق على ما نسميه " المقطع " .

يحضر الرجال والشباب من الزاوية ومن المناطق المحيطة بها : " أم اقحيقيح " وادى السوينات ، وادى السد ، " البرجاسى " " شطيب الترك " " القطارة " نجوع منتشرة فى هذه المناطق ، ويحضر فرسان على صهوات جيادهم يحملون البنادق : " أم احريبة " أو " الدقرة " ،" لوانتون " أو بندقية ألمانية .

خطبة العيد والصلاة ثم المصافحة بمناسبة العيد : عيدك مبروك ، وهنا نضع القصاع أمام المسجد ، ونرفع " الأطباق" ويأتى المصلون ويتناولون بأيدهم ما فى القصاع ، وهو متنوع ، ونحمل القصاع ونبتعد عن الرجال .

ويبدأ الرجال يمتطون الخيل ، وكما يصفهم ، الشاعر الكبير هاشم بو الخطابية المريمى فى قصيدته الشهيرة البئر  : " فراسين كسًر يعجبوا ليقاتك .....".

 ويبدأ عرض جميل وسباق على صهوة الجياد ، ويقوم الفارس بإطلاق الرصاص ، وتسمع زغرودة من مكان ما ، تتبعها زغاريد من كل اتجاه. ولقد كان معجباً دوماً ولا زال بهؤلاء الفرسان ومنهم ،_ وليسوا كلهم  _ : جاب الله عبد الرحمن ، محمد لحيمر وصالح لحيمر " جن النار" ، محمد موسى ، وحسين بو موسى ،سعيد بومفتاح موسى بومفتاح " بوحردة " عبدالله بومفتاح  شعيب بوحكارة عبدالقادر بومهلهل الهدل وغيرهم كثيرون ، يعيشون فى الذاكرة ، حتى كتابة هذه السطور ، وأدعو لهم بالرحمة ، فلقد رحلوا عنا إلى عالم الخلود..

ويتخلل ذلك اليوم" الدنقة" ، يرتدى أحد الرجال ملابس مزركشة ويضع العظام حول خصره وفى رقبته ، مع بعض الألوان ، ويبدأ الرقص الأفريقى على نغمة الطبول ، كان الموقف جميلاً ، دفوف ورقص ، وقفز فى الهواء....جيل من رجال جاءوا من السودان وتشاد ، عاشوا معنا بطيبتهم وعاداتهم ، والكبار منهم يحتفظ بلغته مثل المرحومة " مريم ودوية ، وسيدي " ريال " ، كما يذكر خميس بانجاك ،وخميس الفاخرى وسيدى " حمدو "  وسليمان التارقي ، وكثيرين غيرهم عاشوا معنا وفرًق بيننا وبينهم الزمن ، نحمل لهم أجمل الذكريات فى طفولتنا ، ونتذكرهم فى الشيخوخة ، وجيلهم كأطياف جميلة من الزمن الباهى .

 

أعلي

1107 عدد القراءات
 
 
جميع الحقوق محفوظة  © 2009 - لموقع الصياد