12
البيــــــت
فى مرحلة من عمر الطفولة كل سكان طبرق ، - أتحدث عن طبرق بحكم الموقع والتواجد -
باديتهم والحضر ، الجميع يسكن البيوت " بيت الشعر"، ويوجد نوعين من هذه البيوت :
بيت الصيف والآخر بيت الربيع ، الأول يستخدم فى الصيف ومعظمه من القماش والخيش ،
والثاني من الصوف وشعر الماعز . ويتكون البيت وحسب التسمية فى ذلك الزمن الباهي
من: عدد 14 " رمة " و14 " " جازل _ زازل – " و عدد 2 " جابر - عامود – " و عدد 2
" كربة " وعمودان فى طرف البيت تسمى " الأكمام " وعددها 2 ، وأربعة أعمدة فى زوايا
البيت يطلق عليها " الخماميس " ومفردها " خمًاسة" .
وعامودان فى مدخل البيت ، تسمى " مقاديم "ويوجد 4 فى الخلف .وتثبت فى الأرض
بالأوتاد ويطلق عليها " مثابت " ويشد البيت عدد 3 " طرايق " ، الحمًال يوجد خلف
البيت وعددها 2 ، وتقع الكرابة فى مدخل البيت ، ويوجد بالبيت حوالي 17 عاموداً
بأسماء مختلفة .كما توجد الأروقة .
توجد مكملات للبيت " الأروقة " ومثبتات الأروقة تسمى " الخلًة " ومفردها " خلال ".
و" العطف " فى مدخل البيت ، توجد بقربه " الأثافي " (الأحجار التي نطلق عليها
المناصب ) ، وعادة تتكون من ثلاثة ، لتوضع فوقها " القدر " المرجل ، أو " البرمة "
وهى مصنوعة من مادة الكلس ، ولا ننسى " المغرف " و " الزويلى " و" المحقن " القمع
، " الشكوة " ، " الصوفة" " والصماط ".
كل الأثاث فى أحد جانبي البيت ، فى ما يطلق عليه " النضدة " صندوق خشبي ، من خشب
الزان ، به قفل ومفتاح ، يحدث صوتاً أثناء قفله أو فتحه ، بطاطين والهدمة ، ويوجد
الحصير ، و " الحصير العبادي والهدمة وأيضاً " أكليم ".كما توجد القصعة المصنوعة
من الخشب والبطانية الحمراء .
فى فصل الشتاء ، تقوم ربة البيت بحفر قناة حول البيت ، تسمى " الناي" ( وليس
المقصود بهذا الآلة الموسيقية )، وهى قناة حول البيت لتغيير اتجاه مياه السيول
المتدفقة .
فى الجانب الآخر يوجد " السدى " : تفرش الأرض بشجيرات وفى وسط الحبل تربط أطواق
تسمى " الزرد"، فى هذا المكان تعزل الجديان وتربط بأطواق فى رقابها ، لعزلها عن
أمهاتها ، وتختلط فى بعض الليالي صياح الجديان وصراخ الأطفال.
فى زاوية من البيت توجد " الشكوة " وتلك تشبه حالياً المخاضة الكهربائية ، يوضع
بها الحليب ، ليمخض ويتحول إلى لبن ، وتفصل عنه الزبد ليصبح سمناً .
توجد عدة الحمار أو عدة الفرس فى جانب من البيت .فى مرحلة لاحقة ترى " الفنار " أو
المصباح معلق فى " الجابر " العامود ، وقبل هذا الزمن يوضع صحن به زيت ، وقطعة من
القماش " الفتيلة " لتشتعل بعد غمسها فى الزيت.
تناول وجبة العشاء عند الغروب ، ويتم عادة على وهج النيران المشتعلة .
أمام النجع يوجد " المراح " ، الساحة التي تبيت فيها الأغنام ، وعادة أمام " النجع
" وبعض البيوت أمامها " سلسلة حديدية تسمى " الطراحة " لتربط بها الخيل ، وعادة
حصان أو فرس. وعلى مسافة ترى الحيوان الصبور الذي نظلمه بسب بعضنا البعض بقولنا وقت
الغضب " أسكت يا حمار ( مع تقديري للقراء ) وأعنى به الحمار .
وما يثير العجب فى ذلك الزمن الباهي، فى فصل الشتاء ، البرق والرعد ، وهطول
الأمطار، وهنا يبدأ تسرب المياه ، من الجزء العلوي من البيت ، وفى زمهرير الشتاء ،
تسقط المياه على الأجساد ، وتقوم الأم – الصبورة على تقلبات الزمن – بوضع أواني تحت
كل ثقب فى البيت ، لتمنع المياه من الاندفاع داخل البيت، ونطلق عليه اسم " القاطر "
. وكم أتعجب الآن من صوت اصطدام قطرات الماء بقاع الأواني ، إنها مقطوعة موسيقية ،
نحب أن نسمعها ، ونعيش على ذكراها ، وترى بعض الكبار من الأطفال فى حالة طوارىء ،
حيث يراقبون الأواني وعادة صحن أو قصعة ، لتفريغها من المياه. ....تحاول أن تنام
وتتأكد من وجود رغيف صغير يطهى مع الخبز فى التنور اسمه " القنًان " ، يعطى لنا
لنضعه تحت الوسادة المصنوعة من القش أو الصوف فى بعض الأحيان ، ابنة الصبي الآن
دكتورة فى الجامعة ، سألها عن " القنًان " أجابته نعم القنان هن الغواني...! وله
عندنا نحن أبناء البوادي معنى آخر رغيف صغير إنه " القنًان.
ويمكن شرح المعاني لجيل لا يعرف بيت الشعر الذي عاش فيه جيلنا وأجيال سبقتنا ، وبعض
من المعاصرين ، الذين لم تغيرهم الحضارة .
الرمة : حبل بطول 3 أمتار وعددها 14 رمة.
الجازل : قوس من شجر السدر .
المثبت : وتد من المعدن .
الرواق:عبارة عن ساتر لأجناب البيت .
الكربة : قطعة من الخشب لتثبيت البيت .
الخلال : من المعدن أو الخشب الرقيق ، لتثبيت " الرواق ".
الطريقة: من نسيج الصوف ،وعددها ثلاثة .
الخماسة : قوائم من الخشب لتثبيت البيت ، وعددها أربعة .
مقاديم : وعددها اثنان.
أمواخر: وعددها اثنان .
الرفة : وعددها أربعة ، وهى زوايا البيت .
الجابر : وعددها أربعة .
الأكمام : ( لكمام ) عددها اثنان ، أوتاد من الخشب بطول متران.
الحمًال وعددها اثنان ، وهى شريط من الصوف موازى للطريقة .
المسادي
: عددها أربعة عشر ، سبعة فى كل جانب ، وهى : الرجل ، البدل ، الكمال ، الخياطة .
قد يقول قائل وما فائدة تسمية لبيوت عفى عليها الزمن ، ويمكن القول أن الجذور
مهمة فى حياة البشر ، إن الجذور هي التي تجعلنا نتمسك بعروبتنا وتراثها ، وأن نتذكر
تاريخنا ، النصر والهزائم ، للعبرة ولاستخلاص الدروس . وكم أتخوف من جيل قادم بدون
ذاكرة ، فالذاكرة مهمة للشعوب الأصالة ، هي التي جعلت من ذلك الشهيد لا يهاب الموت
مزمجراً ناظراً بكبرياء نحو جلاديه ، ولزملائه من الرؤساء ، فلا نامت أعين الجبناء.
( معظم الأسماء أملتها على الحاجة هنية إدريس المبري ، حفيدة الشهيد المبري ، قائد
معركة الناظورة ، أطال الله عمرها . وعبد السلام على يونس العبيدي ).
13
القنــــــان
كان خبز " التنور " محبب لنا نحن الصغار ، وكم نحب أكله ، بعد إخراجه من " التنور "
مع الحليب ، الذي يحلب من الأغنام بعد عودتها بعد الغروب ، حليب صحي لا يحتاج إلى
تعقيم ، فالأغنام تقتات على الأعشاب وشجيرات الصحراء ، وفى فصل الربيع تشم رائحة
زهور البراري ، الأقحوان ، الزغليل ، ثم تلتقط " الكريشة " وفى بعض الأماكن فى شطيب
الترك وفى السوينات ، وفى" البرجاسى" ووادي الشبرق والسد ،تقوم بجمع " الترفاس "
القمحي " و " البرقوق " وتشم رائحة " الإكليل" و " الشيح "
,والقزاح
،لا يستخدمون الأعلاف المستوردة من الخارج والمختلطة بالمواد الكيماوية ، " القنان
" يؤكل مع " شكشوكة البيض " أو زيت الزيتون.
وكان عندما يقوم الصبي بعمل جيد يكافأ – الطفل – بفردة " قنان " . والعجيب أنه تعود
أن يضع القنان تحت الوسادة .
فى زمن لا حق كانت المكافأة حلوى " الشكار " خلطة مصنوعة من السكاكر ، ولم يتذوق
ألواح " الشكولاتة " إلاً فى مرحلة لاحقة من العمر . وكم تلذذ الصبي بأكل "
المثرودة " .
طهي الخبز يتم فى التنور أو على الجمر والرماد يسمونها " المدموسة " أو على أحجار
فوق الرماد، وتسمى خبزة ( أحجر ) أو فوق آنية مسطحة ويطلق عليها اسم خبزة ( طاوا )
.
وكانت مرحلة تحويل الزبد إلى سمن والتي نسميها " الذوبة " ، مرحلة رائعة لنا نحن
الصغار ، تعجن العجين وتخبز الخبز فى التنور ، ويوضع المرجل أو " البجوشة " أو"
البرمة " على النار وتوضع كمية من الزبد وتوضع " الدشيشة " أو أقراص من العجين .
تستخرج " الرغوة " لنقوم بلعقها بأصابعنا ، نأكل الدشيش أو أقراص العجين " القنان "
.
يستخرج السمن ويترك ليبرد ويوضع فى أواني للحفظ أو يوضع فى "
الصوفة " المصنوعة من جلد الماعز. فى الزمن الباهي ، حيث العلاقات الإنسانية لم
تدمرها المادة أو معارك من أجل الأرض ، يرسلون السمن والحليب لمن لا يملك ، ويمنحون
" المنائح " لمن لا يملك ، أغنام ،ويرسلون قطع من اللحم لتوزع على الجيران ، يمنحون
الأرض والبذور " البذار " ويمنحون الحيوان الذي يجر المحراث " الجابدة " ، وكانوا
يتعاونون فى موسمي الحرث والحصاد ، والدراس ، وهى فصل الحبوب عن السنابل ويطلق
عليها " الرًغاطة، كان الحب يسود الجميع.....العلاقات الاجتماعية تربط بين الناس
لصالح الناس وبحب الناس ..كان الزمن الباهي، زمن الطفولة لجيله من الصبيان .
14
عيد الفطر ....زاوية المرصص
لقد زار الأطلال ، أطلال زاوية المرصص ، المنطقة التى تجمًع بها سكان طبرق، بعد أن
تفرق ، وسكتت مدافع الحرب العالمية الثانية، وانجلى غبارها ، كما يقال.
وكم عاش لحظات صمت ، تقديساً للمكان وللراحلين، وشعر بالحزن ، وتلاطمت الذكريات فى
خواطره ، وشعر بالشخوص كما عرفها ، بل وتخيل أنها عادت إلى الحياة ، يسمع صوت البعض
، صوت أجش ، صوت قوى ، صوت واضح النبرات ، بل خليط من الأصوات، إنه ليس صوته ، وليس
أصوات جيله ، إنه أصوات الآباء والأجداد ، صوت فيه من الصفاء والحنان، وفيه نبرات
لصوت يكبر لله العلى الواحد القهار " الله أكبر ...الله أكبر "، والذى يجعل من
المؤمن طالباً للشهادة ومتقدما نحو الموت فداءً للوطن ، وفيه نبرات وأنين معتقلات
البريقة والعقيلة وأنات الرجال والنساء من جرًاء الجوع ومن جراء ضرب السياط ،
والرجال الذين قتلهم الكمد ،الإذلال والجوع ،المرض ، وضرب السياط، وأيضاً المشانق
والمحاكم الطائرة .
وزار مبنى الزاوية، ولقد تذكر كم أرتجف عند دخوله الزاوية للمرة الأولى مع والده
،منذ زمن بعيد. هناك يجلس الشيخ الوقور والمجاهد أحميدة صالح الشريف ، وهناك ابنه
عمر ، وهنا ابن عمه على الشريف ، ولا أنسى أبنائه صفى الدين والطيب وهم من جيلنا .
ذهب إلى أطلال المسجد المبنى من الطوب ، والذى يعتبر من الآثار ، وإنني أدعو هيئة
الآثار،أن تقوم بترميمها وصيانتها، فالتاريخ والآثار ذاكرة الشعوب .
هناك اختلطت الأصوات الصبيان وفتاة واحدة حفيدة المجاهد احميدة صالح الشريف، _ أطال
الله عمرها _ بترديد آيات القرآن الكريم ، ومما يثير الصبى وحتى الآن ،هو كيفية
إلمام الفقيه بأخطاء الطلبة ، وهم يقرؤون بصوت عال ، وفى وقت واحد ، هناك تراءت له
الشخوص ، ويسمع الهمسات ، وارتفاع الصوت أثناء التلاوة،ووقف أمام الساحة واتجه نحو
المقبرة ، لقد بنى سور ، لم يكن موجوداً فى الزمن الخالى ، وجد قبور عرف أصحابها ،
ولم يتعرف على قبر حسن السودانى الزليطنى الذى هتف له مع آخرين : يعيش حسن السودانى
وهو يوارى الثرى، وبعض أبناء عمومته ، رجال عاصروا المشاهد وشاركوا فى مرحلة الجهاد
، رجال سمع منهم فى طفولته الحديث عن المعتقلات ، وكم تذكر بكاء البعض وهو يروى
المشاهد كما رآها وكما عاشها ، بموتهم انقطع حبل يربطنا بتاريخ مجيد ، الجهاد ،
والاستشهاد، وأيضا الموت والدمار. آل مفتاح ( عبدالله سعيد و موسى بوحردة وعلى )
يتحدثون عن ضرب متاح بألف سوط ، ومات تحت التعذيب .زار البيت بيت " الكرموسة " هنا
جاء فى البداية مرتعباً تقوده أخته المرحومة هنية ، لتنظره فى الخارج ، لتعود به ،
وتذكر أنه كان حافى القدمين ، وفى المرة القادمة سيفتخر بحذاء المطاط ونطلق عليه "
الكويتش."
رجع إلى ساحة خالية وتذكر فى ذلك الزمن الباهى ، الإعلان عن عيد الفطر المبارك ، لم
ينم أسوة بغيره من الصبيان ، فى الصباح لبس ثوباً جديداً وحذاء مطاط ، وكان عليه أن
يحمل قصعة بها " العيش " والسمن ، والعيش يطلق على ما نسميه " المقطع " .
يحضر الرجال والشباب من الزاوية ومن المناطق المحيطة بها : " أم اقحيقيح " وادى
السوينات ، وادى السد ، " البرجاسى " " شطيب الترك " " القطارة " نجوع منتشرة فى
هذه المناطق ، ويحضر فرسان على صهوات جيادهم يحملون البنادق : " أم احريبة " أو "
الدقرة " ،" لوانتون " أو بندقية ألمانية .
خطبة العيد والصلاة ثم المصافحة بمناسبة العيد : عيدك مبروك ، وهنا نضع القصاع أمام
المسجد ، ونرفع " الأطباق" ويأتى المصلون ويتناولون بأيدهم ما فى القصاع ، وهو
متنوع ، ونحمل القصاع ونبتعد عن الرجال .
ويبدأ الرجال يمتطون الخيل ، وكما يصفهم ، الشاعر الكبير هاشم بو الخطابية المريمى
فى قصيدته الشهيرة
البئر
: " فراسين كسًر يعجبوا ليقاتك .....".
ويبدأ
عرض جميل وسباق على صهوة الجياد ، ويقوم الفارس بإطلاق الرصاص ، وتسمع زغرودة من
مكان ما ، تتبعها زغاريد من كل اتجاه. ولقد كان معجباً دوماً ولا زال بهؤلاء
الفرسان ومنهم ،_ وليسوا كلهم _ : جاب الله عبد الرحمن ، محمد لحيمر وصالح لحيمر "
جن النار" ، محمد موسى ، وحسين بو موسى ،سعيد بومفتاح موسى بومفتاح " بوحردة "
عبدالله بومفتاح شعيب بوحكارة عبدالقادر بومهلهل الهدل وغيرهم كثيرون ، يعيشون فى
الذاكرة ، حتى كتابة هذه السطور ، وأدعو لهم بالرحمة ، فلقد رحلوا عنا إلى عالم
الخلود..
ويتخلل ذلك اليوم" الدنقة" ، يرتدى أحد الرجال ملابس مزركشة ويضع العظام حول خصره
وفى رقبته ، مع بعض الألوان ، ويبدأ الرقص الأفريقى على نغمة الطبول ، كان الموقف
جميلاً ، دفوف ورقص ، وقفز فى الهواء....جيل من رجال جاءوا من السودان وتشاد ،
عاشوا معنا بطيبتهم وعاداتهم ، والكبار منهم يحتفظ بلغته مثل المرحومة " مريم ودوية
، وسيدي " ريال " ، كما يذكر خميس بانجاك ،وخميس الفاخرى وسيدى " حمدو " وسليمان
التارقي ، وكثيرين غيرهم عاشوا معنا وفرًق بيننا وبينهم الزمن ، نحمل لهم أجمل
الذكريات فى طفولتنا ، ونتذكرهم فى الشيخوخة ، وجيلهم كأطياف جميلة من الزمن الباهى
.