عند ما تكون وحيداً، وتشعر أن الدنيا قد ضاقت بك باتساعها...تتذكر الأصدقاء ، وحتى
الصديقات ، وتعتصر الذاكرة ، وتحصى من فقدت ، من الأحباء ، وتعصرك الذكريات فى رحلة
العمر ، وترى كم تغيرت أنت ، كما تغير الآخرون ، ومما يفجع الإنسان
-
أي إنسان -
،
أن يلتقي صديقاً ، وعادة فى مأتم ..! ثم بعد لحظات، بالكاد تتعرف عليه ، صديق فرق
بينكما الزمن ، وتخجل أنك لم تعرفه ، وتلاحظ أيضاً أنه طردك من ذاكرته. كم تلعن
نفسك وتلعن الزمن ، وسيقول قائل ممن يحكمون بالظواهر : أنك تغيرت وغيرتك
الدنيا...!. وتردد حديثاً للإمام على رضي الله عنه، وهو جالس فى الكوفة عليه ثوب
مرقع : " يا دنيا يا دنيا ، غري غيري ، طلقتك ثلاثاً ، عمرك قصير وزادك حقير وسفرك
طويل " .
وتحاول البحث عن الكتاب ، لتهرب ولو لساعات مع الفكر الإنساني، لتجد أن ما قرأته
ذات يوم فى الزمن الباهي
لا وجود له .
منذ سنوات سألني صديق ، وهو صاحب الموسوعة العربية للقانون المرحوم الأستاذ محمد
بن يونس: أنه مسافر إلى مصر أتحتاج أي شيء من أرض الكنانة ؟ .
أي
نعم يا " أبو خال " ، أريد كتاباًً واحداً ، أو أثنين ، فقد جردت مكتبتي هناك فى
بنغازي ، ووجدت أنه ينقصني مجموعة من كتب مفكر القومية العربية ساطع الحصرى ( أبو
خلدون ) قد ضاعت منى: كتاب دفاع عن العروبة ، والعروبة أولاً ، وكتاب آخر عن
التعليم فى الوطن العربي...
وبعد أسبوع جلب لي مجموعة من الكتب
القومية،
منها كتب صفراء غيرها الزمن ولم يشترها منذ السبعينات من القرن العشرين أحد، تم
تكديس بقاياها فى المستودع .
ولقد سأل صاحب مكتبة مدبولي المرحوم محمد بن يونس _ كما أخبرني _..لقد سألني صاحب
المكتبة: من هو صاحبك ؟ الذي يبحث عن كتب ساطع الحصرى ؟ ، ولقد أجابه: أنه صديق
مدرس. فأقسم صاحب المكتبة أن لا يدفع ثمن هذه الكتب أعتبره هدية منى إليه. .
فى
ذلك الزمن يحدثك الصغير عن الثورة الفرنسية روبسبير دانتون ، وحتى نابليون .
كما
يحدثك عن العروبة والإسلام.والتاريخ الإسلامي ...! و يحدثك عن كوخ العم توم
والإخوة الأعداء ، ووداعاً للسلاح . من همنجواى إلى ميشيل عفلق رحمه الله ومن
العقاد إلى طه حسين ، وحتى الفتنة الكبرى.. ومن مي زيادة ، لطفي السيد، وإبراهيم
عبدا لقادر المازني و على محمود طه وأحمد أمين.
وتتوالى النكسات ، كما عاشها جيلنا ، من النكبة إلى النكسة ، ومن الوحدة العربية
إلى الانفصال الذي حدث يوم 28 سبتمبر من عام 1961 ، وهذا التاريخ الأسود ، الذي قبر
نداء الوحدة وهتافها : من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر ... ، ويمر بك الزمن
وترى بأم العين : ضحالة الفكر ، والإقليمية الضيقة وأصبحت العروبة من الماضي. لقد
عجزت دويلاتنا عن توحيد الجمارك ، والوحدة الاقتصادية .
الوحدة الأوربية التي جمعت وتجمع من لا يتكلمون اللغة الواحدة ، فهم فى حاجة إلى
ترجمة داخل مجلس النواب الأوربي : الفرنسيون ، الأسبان وغيرهم ،من اللاتين ،وحتى
الألمان لهم لغتهم المختلفة عن الأنجلو ساكسون. ونحن ننطق لغة الضاد ...لغة
القرآن الكريم .
ويحدث زلزال ، وتحتل عاصمة الخلافة ، ويعدم رئيس دولة شقيقة ..وتحتل ديار الإسلام .
تعيش الغربة والاغتراب مع قومك ، يتحدثون عن المال ، ويحدثك شخص يمسك بمسبحة وتتمزق
وأنت تعرف أنه لص ، لقد سرقوا أرض الأوقاف وزوروا كل شيء ، ثم عطلوا الكهرباء
والهواتف ، وسرقوا كل شيء ، حتى الحذاء الجديد من مسجد يوم العيد ....! .
فى
وسط كل هذا ،وترى وجهك المرهق فى المرآة ، فترى أن المشيب والزمن ، لعب دوره ،
تغير الجسد ، ولكن فى الداخل ، لا زال الفكر والمباديء ، لقد زعزعها الزمن خارجياً،
ولكن لا زالت تنمو وتكبر مع الجسد الفاني ، و تتوهج ، فى الداخل ، وتعطى الأمل وهو
الزاد الذي يغذى الشعوب مع دراسة تاريخها ، لتنشيط ذاكرتها .
هذا مدخل لسطور عن الزمن الباهى ، مساحة بين الطفولة ،الكهولة ، والشيخوخة ، شخوص
بسيطة ولكن تأثيرها فينا أقوى من الزمن ، حديث البعض منهم وهمسات الصبايا...وبكاء
النساء ... الشخوص ..كأني بهم يضغطون على الذاكرة وتتخيل النفس – الأمارة بالسوء –
أنك تشاهد الشخوص كما مرت بك ذات يوم بعيد، وأحداث وقعت فى ذلك الزمن ، تؤثر فيك
وتبقى فى زوايا الذاكرة .
تشم رائحة القرنفل فى رؤوس الصبايا ، والضحكات البريئة حول " نزوة " البير (
البئر ) ، وتشاهد " الشناف " فى أنوف الفتيات
وتدهش للأصابع الرقيقة واللطيفة المخضبة بالحنًاء .تسمع أغنية " العلم " من بعيد ،
يبث فيها شاب شوقه لحبيبة ، يتوقع أن تستمع لصوته وهو ، يرسل لها كلمات الحب
المستور، وتسترق السمع لحديث الصبايا حول " التنور " وقبيل الغروب.
..الدموع والأنفاس والخراريف " الحكايات" على نار تتوهج عند " العطف " فى مدخل
البيت ، بيت الشعر . كان زمناً قاسياً : الفقر المرض ، ولكن الناس طيبون
...يتراحمون ، يقتسمون كل شيء ، الأكل القليل ، والخبز القليل ، ويوزعون الحب
الكبير ....إنهم يتعاونون ...يتحابون ...إنه الزمن الباهى .