أتعنى أن أولى الأمر فيكم لا يحكمون بالعدل ..؟ أي نعم معظمهم هكذا يحكمون ، إنهم
يعتبرون أموال بيت المال ، أموالهم، والشعوب رقيقاً لهم..وماذا عن الفرنجة ، أعنى
حدثني عن علاقة خلفائكم وحكامكم بالفرنجة..؟. سألني الشيخ.
عند ما يزورهم سفيرُ ، أو قائد ُعسكري ترتعد فرائصهم..إنهم يخافون...القادة
العسكريون يسمونهم "جنرالات" ، إن جنرالات أمريكا لهم صولة وجولة يا شيخنا
العظيم..عندما يزور إمارة عربية ترتعد فرائصهم ، إنهم يخافون انتزاع الملك منهم،
ولا بد أنك سمعت بحكاية أرض الرافدين،أرض السواد ، ولا بد أنك علمت بأن الفرنجة
والمسلمون تحالفوا لقتال هذه الإمارة المسلمة ، وجربت فيها كل الأسلحة المدمرة ،
ولكن شعبها لا زال يقاوم.
وبعد سنوات من الحصار حشدت دولة باغية اسمها أمريكا جيوشها فى مدن عربية يرفع فيها
المؤذن صوته مكبراً وداعياً للصلاة خمس مرات فى اليوم ، وفى يوم حشدا لآلاف فى
إمارة صغيرة اسمها الكوت أو الكويت ومن أقطار إسلامية تقدمت الجيوش الجرارة ، لتحتل
عاصمة الرشيد ، ولتدمر المدن ويقتل الأطفال وتؤخذ النساء سبايا ، ويرقص الكويتيون
وبعض الإمارات فرحاً وطرباً لتدمير أقوى الدويلات العربية وتحتل بغداد . ويختلط
الحابل بالنابل كما يقال ، دمروا وطناً وقتلوا العلماء واحرقوا المكتبات ، وزرعوا
الفتنة بين الإخوة وأعادوا الفتنة الكبرى وحروبها فى قرننا هذا الخامس عشر من
الهجرة .
وجلبوا حاكماً عربياً مسلماً إلى مقصلة الموت ، ليرعبوا الزعماء ، مشى الرجل هازئاً
بجلاديه متقدماً نحو الموت بكبرياء الرجال ، لم ترمش عيناه ، يصيح ويكبر مزمجراً
وصائحا بالعروبة وهى جسد والروح هي الإسلام ونطق بالشهادتين ، قتلوه ومثلوا بجثته ،
ولكن من هنا عاش الرجل فى الوجدان وفى أسفار التاريخ .
إن حاكم أمريكا وهى أكبر دول الفرنجة قوة وجاهاً ، تريد أن تفرض الحروب رغم رفض
العالم لها، يريدون حاكماً عسكرياً من الكفار ليحكم هذه الدولة المسلمة...!.
ما أود قولــه أيها الشيخ الجليل ، إن المسلمين فى هذا الزمن الرديء يقاتل الأخ
أخاه ، وهم ، أو البعض منهم فى حلف مع الكفــار ، ويتظاهرون أمام شعوبهم
بالاستنكار، أتذكر المقولـــة المشهــورة أيها الشيخ الجليل: قلوبنا مع على وسيوفنا
مع معاوية..!.
تباً ...تباً لهم ...تباً لحكامكم يا بنى، قالها الشيخ...!.
وماذا عنك أنت يا بنى ..؟ سال الشيخ... قصتي طويلة ، من أين تريدني أن ابدأ ..؟ أمن
الطفولة أم من الكهولة..!؟. أريد أن أسمعك ، أنت مخًير يا بنى..إنني إليك صاغٍ.
كان والدي فى مرحلة الشيخوخة ، عندما تزوج والدتي ، لقد دفن زوجته الأولى وبنيه
وأخوته تحت رمال العقيلة أولاً ، ثم رمال البريقة في المرحلة التالية..كان الزمن
زمناً رهيباً ، إحدى دول الفرنجة ، اسمها إيطاليا غزت ديارنا ، وقاتل شعبنا ،ولكنه
هزم بشرف، و قامت الدولة الإيطالية بنقل السكان إلى معتقلات تم اختيارها لحجز
المواطنين فيها ، وكان أسوأها على الإطلاق معتقلا البريقة والعقيلة. هناك دفن مئات
الألوف من الأطفال والنساء والشيوخ،إنها منطقة الجماجم...عندما تحفر فى الرمال
تستخرج جماجم المسلمين من بنى قومي .
عندما خرج والدي من المعتقلات اعتزل الناس وعاش حياته حزيناً ...لقد دفن إخوته
وأبناء عمومته وزوجه وأبناءه.. وفقد الرزق ، والآن ليبدأ من جديد...
لقد تزوج أمي وأنجب خمسة أخوة ذكور وخمس أخوات ، لم يبق من الإخوة الذكور إلاً أنا
، وأربعٌ من أخواتي..
لقد مر الشيخ بحياة حافلـة ، قاتل مع المجاهـد أحمد الشريف فى الصحراء الغربية ،
وهى صحراء تقع فى مصر ، ولقد أطلق عليها هذه التسمية المصريون ، لأن الصحراء تقع فى
الجزء الغربي من القطر المصري ، ونحن نطلق عليها الصحراء الشرقية ، وقاتل مع الشهيد
المبري فى عام 1912 . وانتهى به القدر فى المعتقــلات. كان الشيخ يا فيلسوفنا
الكبير يحدثني ودموعه تسيل على شاربه ولحيته ، متذكراً أبناءه وزوجته التي اسمها
(كاملة)، وهى من قبيلة الفواخر ،من عائلة( بوبهاء)، وإخوته وأبناءهم والكثير من
أقاربه.
كان الشيخ
يحب ابنه ويخاف عليه من غدر الزمان ، ولقد أطلق عليه اسم أبيه ، آملاً أن يكون مثله
ولربما قد خيب ظنه..! لم يستطع ْ جنى المال كما فعل بعض أبناء جيله ، لقد عاش مع
ابنه فى مرحلة من حياته ، وكان يرى بأم عينه شظف العيش وقلة ما فى اليد ، ولكنه
أيها الفيلسوف الكبير ، والحق أقول ، لقد علمه أن لا يمد يده للمال الحرام، لقد
علمه فى مراحل من حياته ، أن الإنسان يجب أن يكون صادقاً مع نفسه، وألاً يأكل المال
الحرام، وحدثه عن معنى الكرامة ، والصدق مع الذات ، كما لعن الشيخ _ رحمه
الله_النفاق والمنافقين...كان صبوراً ، وكانت قدرته عجيبة على تحمل الظلم من بنى
عمومته ، ومن ظلم أولى الأمر فى تلك الأزمان... وكان يحب الأرض ، ويحب البشر
وصديقاً للفقر والفقراء.
لقد علمه الشيخ معنى الكبرياء ، وكثيراً ما حدثه عن أحداث مرًت ، ومعنى الصبر على
الزمان وتقلباته ، لقد شاهد والده الشيخ تاجراً مرموقاً ، ولديه الأغنام ، وانتهى
خفيراً على محرك صغير للكهرباء فى سقيفة طبرق.لم يخضع لغير الله ، ولم يستجر بغير
الخالق،لقد كان فقيراً يحب الفقراء، وكان يبتسم فى الأوقات العصيبة، كان ولا يزال
يعتبره مثله الأعلى،رجلاً بدوياً عاش فى الصحراء التي أحبها ، و علمته أن يكون حراً
، منطلقاً فى فضائها اللا متناهي ، لم يكن فيلسوفا ، ولكنه تعلم الحكمة من الزمن
وتقلباته،، ومنذ أكثر من ثلاث عقود من الزمن..طلب أن يدفن فى موقــع رأسـه مدينـة
طبرق ، وهكذا كان، سافر بجثمانه إلى موقع رأسه ، وهناك فوق ربوة من ربى هذا الوطن
وفى مدينة طبرق ، تم مواراته التراب.
ولقد تذكر قولكم فى والدكم :
|
مضى طاهر الجثمان والنفس والكرى |
وسهدِ المنى ، والجيب والذيلِ والرُدنِ |
|
فياليت شعري هـــل يخفُ وقارٌه |
إذا صار أٌحدُ فى القيامة كالعـــهنِ
|
عاش طفولته فى موقــع رأســه طبرق وزاويـة المرصص، التي بها دخل الكَتاب ، وبعدها
افتتحت مدرسة كان ناظرها من بلاد الفرنجة ، لقد كان إنجليزياً ، وكانت تحكمنا إدارة
عسكرية بريطانية. كانت طفولته وشبابه سلسلة من الأحلام أيها الشيخ، يحلم بالصدق
والعدالة ، وأن الناس سواسية كأسنان المشط..!وكانت قضية احتلال فلسطين وطرد سكانها
الأصليين ، قضيته بل قضية جيله ، وكان المد القومي قوياً مزمجراً بقيادة قائد عربي
مسلــم ترجع أصوله إلى قبيلة بنى مرَ، اسمه جمال عبد الناصر ، لقد قام بثورة ضد ملك
طاغ اسمه فاروق ، طرده وطرد المحتلين الإنجليز، وهم قوم من الفرنجة كانوا قد احتلوا
القطر المصري ، الذي ينتمي إليه هذا القائد العربي جمال عبد الناصر.
لقد كانت طفولة طيبة رغم قساوة الزمن...فى طفولته شاهد بنى قومه وهم يقتلون من
الألغام وهى من مخلفات الحرب العالمية الثانية،ورأي الفقر والكبرياء ،لقد كان قومه
يدعون الضيف وهم يقاسون شظف العيش . ولقد زار أطلال الديار..أطلال حياة الطفولة، لم
يجد سوى الصحراء والشطآن..ولم يجد تلك النجوع وسكانها، رجالٌ بعضهم حارب فى مرحلة
الجهاد وبعضهم عاش مرارة المعتقلات،. كانت أروع ما ينتظره وجيله من الصبيان فى
مرحلة الطفولة ، هو موسم الحصاد وموسم "الجلامة" ، وأوقات الزواج والتي تتم عادة
بعد حصاد الزرع، هناك يؤكل اللحم ، وتسمع الزغاريد وغناء النسوة ورد الرجال عليهن ،
ترى النساء يرتدين الأردية المزركشة وتشم رائحة العطور ، وهن يتبخترن فى النجوع
وبين البيوت ، وهى بيوت مصنوعة من الشعر وصوف الأغنام . وكان يتم ملء البطون بالأرز
واللحم ، وكان اللحم لا يتوفر إلاً فى مواسم الأفراح وفى الأعياد ، أو عندما يموت
أحدهم ، وأحياناً عنــد ما يأتي شيخ ذو مكانة اجتماعية ، هنا تذبح الشياه وتوزع على
الجيران ويدعى بعض رجال القبيلة تكريما للضيف.