والآن
يا شيخنا لك أن تسمعنا من شعرك وأدبك ..أعرف إن الحرارة مرتفعة والشمس ساطعة فى
السماء ،ولكن لصمت الصحراء ومسافاتها الشاسعة وانطلاق البصر إلى مسافات بعيدة ...ما
يبعث فى النفس البهجة والانشراح بعيداً عن البشر ..وهنا الوقت مهيًأ للتفكير
والإيمان بقدرة الخالق ...إنني إليك مصغ يا شيخنا الكبير.
أي نعم
يا بنى لك أن تذكرني بما تريد منى أن أتذكره من أشعاري..قلت له إنك من بيت كريم ،
ولقد كنت معتزاً بقومك ،وقرأت إنك قرضت شعراً معتزاً بقبيلتك سأذكرك يا
شيخنا
بمطلع القصيدة فقط، ولكم أن تتذكروا بقيتها...
لقد
قلت:_
|
أتمشى القوافي تحت غير لــوائنا |
ونحن عـلى قوًالـــها أمـــراءٌ |
أي نعم
لقد تذكرتُ يا بنى وأكمل لك شيئاً منها..:_
|
وأي عظيم راب أهل بلادنـــا |
فإنا على تغــييره قــــــدراءُ |
|
وما سلبتنا العـز قط قبيـلـــة |
ولا بـــات منا فــيهم أســراءُ |
|
ولا سار فى عرض السماوة بارقٌ |
وليس لـه من قومــنا خــفراءُ1 |
ولقد
قلت يا بنى _ عن أخوالي بنو سبيكة :-
|
كأن بنى سبيكة فوق طــــــير |
يجـوبون الغــوائر والنـــجادا |
وقلت
عن والدي طيب الله ثراه _قال الشيخ _:_
|
أبى حكمت فيه الليالي ولم تـــزل |
رماح المنايا قادرات على الطــعنِ |
|
مضى طاهر الجثمان والنفس والكرى |
وسهد المنى، والجيب والذيل والردن |
ولقد
قلتٍ فى أمي يا بنى :_
|
ســقتني درها ، ودعــت، وباتت |
تعــوذني وتــقرأ أو تسـمًى |
وقرأت
فى ما قرأت _ يا شيخنا الجليل_ أنك ذكرت وأنت تملى فى رسالتك إلى داعي الدعاة :"
قضى علىً وأنا ابن أربع ،لا أفرق بين البازل والربع"...أي نعم لقد ذكرت هذا ولقد
ذكرت _ يا بنى_ عن ذكرياتي فيما رأيت :" لا اعرف من الألوان إلاً الأحمر ، لأني
ألبست فى الجدري ثوباً مصبوغاً بالعصفر ، لا أعقل غير ذلك".
أي نعم
يا بنى _كأني بك تعلم عنى بعض الشيء _ قال لي الشيخ_.
أجبته
: لقد حفظ لنا الأولون شيئاً مما أمليت ...ولقد اختلفت الأجيال وحتى عصرنا هذا ..ما
بين مؤيد ، ومشكك فى ما تقولون ..ولكن جل علمائنا يقدرون ويبجلون عقلك الجبار..عقلك
العظيم.
لقد
قرأت فى ما قرأت إنكم اهتديتم فى الصبا الغض إلى ما حسبته سلاحاً لك فى معركتك فى
الوجود ، ووجدت فى موهبتك الفذة عوضاً عمًا فقدته ...حدثني يا شيخنا الجليل.
أي نعم
يا بنى لقد ذكرتني فى ما أمليت فى ديوان سقط الزند:
|
لي الشرف الذي يطأ الثريا |
مع الفضل الـذي بهر العـبادا |
|
أفل نوائب الأيام وحـدي |
إذا جمعت كــتائبها احـتشادا |
ولقد
قلت فى العمى يا بني:
|
قالوا: العمى منظر قـبيح |
قلـت: بفقــــدانكم يـهون |
|
والله ما فى الـوجود شيء |
تأسـى عـلى فــقده العيون |
وماذا
عنكم يا بنى ؟ حدثني أنت فلقد أثقلت علىً ...!! .
يا
شيخنا الجليل _ قلت للشيخ _ لا أستطيع أن أصف لك حالنا وحال أولى الأمر فينا ..كما
قلت لك سابقاً إنهم يخافون على عروشهم ولا يحبون كلمة الجهاد والاستشهاد والخليفة
المسيحي المسمى بوش عنده فتاوى
،
ولديه فتاوى كما يقول الفقهاء .. وعلى خلفاء المسلمين التقيد بها حرفياً ، ..وهم
كما أخبرتك يزيدون على العشرين خليفة وأميراً وملكاً...وكلهم يتجهون نحو الغرب ،
حيث القارة الجديدة المسماة أمريكا ..وهناك نزل جميل اسمه " البيت الأبيض " فى هذا
المكان تصدر عنه الفتاوى ..هناك فقهاء لا يستعملون العصا كما حدث لي مع فقيه فى "
زاوية المرصص" قرب مدينة اسمها طبرق...عصا الفقيه أثرت فى رجلي لمدة يوم أو يومين
...!!ولكن عصا فقهاء البيت الأبيض تهدم البيوت وتنزع الملك ممن تشاء ..إنها أقرب
إلى عصا موسى ..كما فى القرآن الكريم ...تلقف ثعابين السحرة..وتدمر العروش ...وتهزم
الجيوش.. وتستطيع إعدام الشرفاء من الحكام ، وتجعل منهم عبرة لمن اعتبر، ولكن الحمد
لله لا زال من يقول لا ويرفض الخنوع ويهتف للعروبة وفلسطين عربية ، ويتقدم متبختراً
نحو الموت وهو ينطق بالشهادتين . نحن يا سيدي فى حاجة إلى المثل الأعلى الذي يضحى،
ولا أشك يا شيخنا أنك تذكر " أبا دجانة " الذي يبايع على ثلاث تمرات ، وكان يتبختر
فى مشيته طالباً المبارزة والاستشهاد ، لقد فعل ذلك شهيد من شهداء العروبة ورجلٌ من
رجالاتها .ولديه مقدرة السحرة لتجعل الأخ يحارب أخاه ، ويفرض عليه حصاراً ، ليمنع
عنه الحنطة ، والتمور وحليب النوق ....!!!.
يا
شيخنا قرأت فيما قرأت إنك اتصلت بالحياة العامة مبكراً وشغلت بالمعارك الدائرة بين
العرب المسلمين والروم، علمت إنكم عزفتم لأبطال المسلمين أناشيد النصر _ كما ذكرت
لنا المرحومة الدكتورة كاتبة سيرتك_.
بخ
..بخ.. يا بنى لقد ذكرتني بتلك العصور الغابرة ..أي نعم لقد قلت:
|
مكلف خيله قنص الأعادي |
وجاعل غابه الأسل الطـوالا |
تكاد قســيه من غير رام
|
تمـــكن فى قلـوبهم النبالا |
تكاد سـيوفه من غير سل
|
تجـد إلى رقابـهم انسلالا |
إلى أن قلت :
فلا قول إلاً الضرب والطعن عندنا
|
ولا رسل إلاً ذابـل وحسام |
|
فإن عدت فالمجروح توسى جراحه |
وإن لم تعد متنا ونحن كرام |
حدثني
يا شيخنا عن الحب فكما تعلم نحن بشر ..هل قلت شيئاً عن الحب؟.
نعم يا
بنى لقد ذكرت شيئاً فى ديوان سقط الزند:
أسالت أتىً الدمـع فوق أسـيل
|
ومالت لظـل بالعراق ظلـيل |
أيا جـارة البيت الممــنع أهله
|
غدوت ومن لـي عندكم بمقيل |
لغيري زكاة من جمال وإن تكن
|
زكاة جـمال فاذكري ابن سبيل |
إلى
أن أقول:
|
وكيف يجر الجيش يطلب غارة |
أسـير بمجرور الذيـول كحيل |
يا
شيخنا الجليل ..لقد قرأت فيما قرأت رثاءك فى الفقيه القاضي " أبى حمزة التنوخي" وهو
من بنى عمومتك..ولقد ُذكرت لنا الدكتورة بنت الشاطىء فيما كتبته عنك: إن هذه
القصيدة هي مرثاة للإنسان فى عمومه المطلق حسب قولها رحمها الله.
أي نعم
يا بنى لقد أثقلت علىً بذكريات وًلت ..وأنت كما تعلم جئت إلى عالمكم الفاني لأرى
ماذا جرى وماذا يجرى..؟.ولكن أي نعم إنني أذكر شيئاً منها :
|
غـير مجـد فى ملتي واعتقادي |
نـوح بــك ولا ترنم شـاد
|
وشـبيه صـوت النعي إذا قيس
|
بصـوت البشير فى كل نـاد |
أبكت تلك الحـمامة أم غــنت
|
على غـصن فرعـها المـيًاد |
صاح هذى قبورنا تـملأ الرحب
|
فأين القـبور من عـهد عـاد |
خفف الوطء مـا أظـن أديــم
|
الأرض إلاً من هذه الأجسـاد |
وقبيح بـنا وإن قـدم العـــهد
|
هــوان الآبـاء والأجــداد |
سر إن أسطعت فى الهواء رويداً
|
لا اختيالا عـلى رفات الـعباد |
|
رب لحـد قـد صار لحداً مرارا |
ضـاحك من تزاحـم الأضداد |
أعلم
يا شيخنا أنك عشت ما بين سنتي 363 هجري وهو عام مولدك وسنة 449 هـ وهى سنة رحيلك
إلى دار الحق والخلود، وفى النصف الثاني من القرن الرابع الهجري شهد العصر بدء
انهيار الدويلات الإسلامية ..كما هو الحال اليوم، ومنذ أبعد من معاهدة اسمها سايكس
بيكو ، وهاتان الكلمتان تشكلان الاسم الثاني لكل من وزيري خارجية بريطانيا وفرنسا
وهما دولتان مسيحيتان كما أعلم، قامتا بتقسيم الوطن العربي إلى دويلات ، وفى القرن
الخامس الهجري
-كما
هو الحال اليوم
-
ترسخت
إمارات
إقليمية تحت معاول الفتنة ولطمات الدس والكيد ، كما ذكرت لنا كاتبة سيرتك يا سيدي
.فى ذلك العصر الذي عشته أصبح مسرحاً للفتن والمغامرات وسوقاً للصفقات
والمزايدات..فكثر الفساد كما هو الحال لدينا وفينا .ولقد ذكر لنا التاريخ أيها
الشيخ ، بأن الروم دخلوا حلب ومعهم " حسًان بن مفرج الطائي" وكان قد هرب إليهم إثر
هزيمته من عسكر الظاهر على الردن حيث سجل لنا التاريخ سنة 422هجرية مشهد دخول "
حسًان الأمير العربي وعلى رأسه علم فيه صليب ومن حوله عساكر الروم يقتحمون حلب غزاة
ظافرين منتقمين...ليذيقوا أهلها وبال التعذيب والأسر ...كما يحدث اليوم ولكن بحياء
وبمظلة ما يسمى بالأمم المتحدة..!! حيث قاتل عشرات الألوف من الجند المسلمين بعضهم
البعض ..على تخوم جزيرة العرب وقرب نجد والحجاز لقد قاتلوا أهل السواد..لقد سالت
الدماء كما فى الفتنة الكبرى.. ... وهذا منذ سنوات ليست ببعيدة ، لتحرير إمارة
صغيرة تسمى قديماً الكوت ، وتعرف الآن بالكويت ، يعيش بها شعب يتكلم لغة الضاد
ويدين بالإسلام ، ولكن شاهدتهم وهم يرقصون فرحين لتدمير أرض السواد ، بل رقصوا
فرحاً ، والعجيب أيها الشيخ الجليل تعداد هذه الإمارة يساوى عدد عدة سرايا من جيش
الطواويس ، الذي جهزه الحجاج بن يوسف الثقفي ، بل تعدادها لا يساوى تعداد شارع واحد
من شوارع بغداد المدمرة .!!. ولأتوقف عند قولكم للجماهير بصرامة:
|
أعاذل قد ظلمتنا المــلوك |
ونحن على ضـــعفنا أظلم |
يا
شيخنا لقد أعجبني أيضاً قولكم فى ديوان لزوم ما لا يلزم :
|
لا تظلموا الموتى وإن طال المدى |
إني أخاف عليكم أن تلتقوا |
أي بنى
قال لي الشيخ ، لقد جئتك زائراً لأرى ما جرى فى هذه القرون ولقد كنت لي رفيقاً فى
رحلتي لا أستطيع شكره ..!ولا يمكن لي أن أذمه.. !..لقد أتعبتني يا بنى .. !!كنت
أتوقع أن تطوف معي ديار الإسلام وديار أمة العرب وتصلنى بخلفائكم وملوككم لأسمع
منهم وهم الذين يسوسون كم بالعدل على ما أظن ، وكنت مشتاقاً أن أرى جحافل جند
الإسلام وهى تدافع عن أمصار الإسلام والعروبة..وجدتك متشائماً وأنت تتحدث معي بل
حدثتني عن أشياء وأنت تهمس فى أذني ..! وبعضها لم أستطعْ سماعها..أريدك أن تصدقني
القول فى زيارتي القادمة ، إن وجدتك على قيد الحياة..أرجو فى عودتي القادمة أن أرى
الأمور لدى من لديهم الأمر أحسن حالاً...ما قولك يا بنى أن أودعك فلقد اشتقت إلى
رمسي ..هناك ينتظرني صحبي ووالدي .
لقد
حاولت يا سيدي أن أزور وإياكم الخلفاء والملوك والرؤساء والسلاطين فلم أستطعْ
..إنهم لا يثقون فى شعوبهم لو رافقك رجل من الكفار، أو صبية من بلاد الفرنجة بيضاء
اللون وخضراء أو زرقاء العينين تفتح لك بوابات القصور ..أما أنا فقد أتهم بأني
جاسوس وقد أدخل الحبوس ، وخصوصاً لا يصدقون أنك أبو العلاء المعرى.. ولا يصدقون
أنني مواطن صالح لا يريد فى شيخوخته سوى الستر وسماع خبر سار لنصر عربي أو إسلامي..
أو المشاركة فيه.. يا سيدي إنني أعيش الأمل والإيمان بالله ..فلا بد من النصر بإذن
الله ..وأرجو أن تعود إلى رمسك قبل أن يقبض عليك فملابسك من القرن الرابع الهجري
..قد تظنها استخبارات أحد الخلفاء المعاصرين ملابس يرتديها جاسوس متنكر ومرسل من
دولة شقيقة كإرهابي ، والإرهابي مصطلح يراد به كل من يقول إنني عربي أو يعرفون أنه
مسلم ...وحكامنا _ البعض - يتجسسون ويتآمرون على بعضهم البعض ..صدقني إنهم يثقون فى
الكفار ...ولا يثقون فى رجالات ملتهم.
حاولت
عبور الحدود بمرافقة ضيفي العظيم ولكن الجند وقفوا حائلاً دون دخولنا لإمارة عربية
فضيفي لا يملك جواز سفر ..رجعنا مبتعدين عن الحدود لبضعة فراسخ .. قال لي الشيخ :
لقد تذكرت إنني ميت لن يروني ..إنهم يرونك أنت، فأنتم لستم بموتى ولستم بأحياء!
وكأني بفيلسوفنا العظيم يطير فى الهواء مبتعداً وكأني بجندي عربي حاول إطلاق الرصاص
على طيف جسده فى الهواء ...قف لا تدخل حدود إمارتنا...!!ولكن الفيلسوف طار مبتعداً
و...لا بد أنه الآن مضطجع بأمانٍ و مستقر فى رمسه ....