الرئيسة رسائلكم دليل الهواتف أخبار اتصـــل بنــــا
معرض الصور الطقسمواقيت الصلاةالوفيات هــــويــتنـــا

 سليمان محمود سليمان

مع أبي العلاء المعري (( الحلقة الثانية))

15/3/2007

يا فيلسوفنا العظيم لا توجد لتا حاضرة واحدة .. لدينا عشرون حاضرة .. ونيف يحكمها ملوك وأمراء وسلطان واحد على ما أظن ... إن المدينة لم تعد حاضرة وكذلك دمشق وبغداد ، ولا حتى القاهرة !!.. والعاصمة الكبرى مدينة عجيبة يا شيخنا الجليل لم تسمع بها من قبل ، ولم يذكرها الإدريسي ولا أي من الجغرافيين المسلمين ، لأنها اكتشفت حديثاً في عام 1492 أسمها الرسمي واشنطن دي سي " وهل هي من ديار الإسلام يا بني ؟ " سألني الشيخ .

أستطيع القول لا يا شيخنا ، ولكن علمت إنهم يفتون القضايا الفقهية الصعبة التي لا يستطيع فقهاؤنا ولا أولوا الأمر منا أن يفتي فيها ...!! أتعني أن فقهاءنا وأولي الأمر منا لا يفقهون ؟ لا يا شيخنا العظيم أنهم يعرفون ولكن لا يستطيعون من الخوف على عروشهم أنهم صامتون ، وكما يقول فقهاؤنا في خطبهم المكررة : " الساكت عن الحق شيطان اخرس ... !! " .

أريدك أن تنقلني على راحلتك إلى الشام وإلى معرة النعمان ، با بني ..!!

إنني لا أملك راحلة ولا يمكن للجمال – يا شيخنا – أن تعبر الفيافي والقفار ، في كل إقليم من أقاليم الإسلام جند يحرسون الحدود ... " أتعني يحرسون ثغور الإسلام يا بني " ، سألني الشيخ أجبته : إنهم يحرسون حدودهم فالأخ يخاف من أخيه ... إنهم يثقون في أعدائهم ، ولا يثقون في بعضهم البعض ... يمكن لنا السفر أيها الشيخ الجليل على طيارة .. أنها آلة عجيبة .. تطير في الفضاء على إرتفاعات عالية في السماء ، وتصل بعد ساعات ولا أقول بعد أيام أو شهور ولكن لا بد من تأشيرة وأظنك لا تملك جواز سفر ... !!! ماذا تقول يا بني طيارة وحدود .. وجوازات سفر .. ؟

أي نعم .. جواز السفر ليس رقماً ، كما تعلم يا شيخنا أنه كتيب صغير من الورق ينسخون عليه الاسم والعمر وصورة للشخص ... والصورة اختراع عجيب يمكن لك أن ترى وجهي كما تراه الآن رأس يعلوه المشيب وسمرة الوجه ، وذلك بفضل ما نسميه آلة التصوير ... ولكن استميحك عذراً  فالسفر لديار الإسلام والعروبة صعب .. أسهل للمرء أن يسافر إلى بلاد الفرنجة .. رغم  عداوتهم لنا ولكن البعض منهم يحترمون الإنسان ، والبعض يعطفون على الحيوانات ..! ولكنهم يسفكون دماء المسلمين .. ودماء العرب فهي  رخيصة بالنسبة لهم .. وحتى لدى حكامنا ، وهناك مشكلة أخرى لم تسمع بها ، إن بعض ديار الإسلام تم احتلالها من قبل أبناء يعقوب .. وأصبحت دولة قوية تنشر الرعب والموت والدمار في كل الديار المجاورة ومنها الشام فهم يحتلون الآن مرتفعات الجولان وبحيرة طبرية .. وبيت المقدس وأجزاء أخرى من الديار .. وأن أردت معرفة المزيد  فسأفتح لك آلة عجيبة تأتي بالأخبار .. وسترى طفلا أسمه " محمد الدرة " يقتل بين يدي أبيه ... وستسمع استنكار وشجب وحزن ... أولي الأمر منا هذه الآلة أطلق عليها شيخ جليل وأديب كبير في عصرنا أسمه محمود عباس العقاد ، اسم " المرناة ".. ثم وافق مجمع اللغة العربية على تعريبه باسم  التلفاز ، والآن نسميه التلفزيون ، وأحيانا يطلق عليها اسم الإذاعة المرئية ,, وهي آلة تجلب لنا الخبر حين وقوعه .. حتى لو وقعت في الصين .. بل لقد رأيت بأم عيني صوراً التقطت من على سطح القمر . وصدقني يا شيخنا الجليل .. إن المستمع العربي والمسلم دجنته هذه الآلة العجيبة ، وأصبح منظر دماء المسلمين وهي تسيل وأرواحهم وهي تزهق .. شيئاً اعتياديا لدى الناظر إليه . وأستخدمه أولو الأمر فينا في الحديث عنهم وعن إنجازاتهم .. وهنا أيضاً توجد محطات تعرض الجواري والقيان .. نساء جميلات من بلاد الترك وفارس ومن الشام وحتى مصر أرض الكنانة .. إن هذه الجواري تثير الفتيان وحتى الشيوخ مثلى .. لها ينظرون وأحيانا يصفقون لرقص الجواري وجميلات بنى يعرب وجميلات بلاد فارس ، وحتى بنات الفرنجة .. !!

أرجو ألا تسألني يا شيخنا الجليل ، دعني أعرج بك في هذه القيلولة على منطقة بها ترعرعت .. وفيها رعيت شويهات لنا .. وفيها ذكريات الصبا ... عشت فيها الفقر كما عاش جيلي .. وشاهدت أشلا بني قومي تقطع أرباً من الألغام ونسميها محلياً " التربان " لم تكن في عصركم موجودة لقد اخترع المواد المتفجرة عالم من بلاد الفرنجة أسمه " الفرد نوبل " ... هنا في هذه الصحراء وعلى شواطئها .. عشنا طفولة جميلة وحياة صعبة .. الفقر والمرض وأيضاً الجهل بعد حرب دامية ضد غزو من بلاد الفرنجة ، دولة تسمى إيطاليا . ثم تصارع على هذه الأرض الحلفاء والمحور وهم الإنجليز وشعوب أخرى والمحور المكون حلفهم من الألمان والإيطاليين واليابانيين ... غير أن الآخرين حاربوا في قارة أسيا .

لقد كانت طفولة رغم الفقر ، كان بني قومي – يا شيخي الجليل – يعيشون على البساطة والحب ، كان الحب لا الحقد يسود حياتهم البسيطة المتواضعة كانوا يرحبون بالغريب ويساعد بعضهم بعضاًَ وكانوا قانعين ببساطة العيش ، كم شاهدت من رجال ونساء في نجوعنا وفي زاوية المرصص وفي الصحراء والوديان ، وادي السوينات أم اقحيقيح ، ثم في مدينة طبرق التي رجعنا لها في طفولتي بعد هروب سكانها من جراء حروب الفرنجة الغزاة .. كانوا يتبادلون الطعام كما يتبادلون الحب وهم جميعاً يداً واحد في السراء والضراء ، ولقد شاهدت فيها طفولتي – كما شاهد جيلي – أشلاء بني قومي تقطع إرباً من الألغام ونسميها محلياً " التربان " لم تكن موجود في عصركم ، لقد اخترع المواد المتفجرة عالم من بلاد الفرنجة  اسمه " الفرد نوبل " وجلبها معهم الغزاة الإيطاليون ليحكموننا ويحولونا لقوة السلاح إلى دين آخر ..! ثم تحاربت فيها جيوش الفرنجة من الإنجليز والطليان والألمان ، ويحلون مشاكلهم بقوة السلاح في بلادنا التي دمرت ، ولا زالت تدمر.

منطقتنا هذه – يا شيخينا الجليل – أسمها " البطنان " وحاضرتها تسمى طبرق .. يسمونها الإغريق " انتبرجوس "كما قرأت في كتاب الساحل الليبي وهو كتاب حرره الدكتور الهادي مصطفى بو لقمة والدكتور سعد خليل القزيري .

والدكتوراه هي درجة علمية رفيعة ... تختلف عما كان لديكم في العصور القديمة .. حيث يذهب طالب العلم أو رواية الحديث ممتطياً راحلته من البصرة أو الكوفة للبحث عن أصلاح خطأ في رواية أو حديث ..أو ليمتحن الفقهاء طالباً من طلاب العلم .. ويعطوه الدرجة العلمية التي ينور بها العقول ، ويعلموا الرعية كيف يناقشون الحاكم ، وكيف لا يستهين ولي الأمر برعيته ،وكيف يتصرف في أموال المسلمين وكيف يحافظ بيت على المال ، أريدك لها زائراً  وعلى أهلها الكرام ننزل ضيوفاً .

" ما هذه المضارب ... أهي مضارب بني عبس أم سليم .. أو ذبيان ..؟ وأرى القوم منهكين في أكل الثريد ..! أتراهم يحتفلون بالنصر في غزوة من غزواتهم ..! .

لا سيدي أنهم يأكلون الأرز واللحم ..! إنهم يحتفلون بوفاة إنسان عزيز عليهم ، عندما يموت أحدنا لا بد من الاحتفال بالأكل .. والشعر ، والحديث غير الموزون .. لا يذكرون الميت إلا بدعاء في المساجد قبل موارته الثرى .. يتحدثون عن المال وكيفية الحصول عليه بكل الطرق ، حتى بيع الأراضي الصخرية لفقراء القوم ..! ويهدمون ما تم تشييده بقوة السواعد وليس بقوة القانون ، وقيل لي أن قرية على الحدود لا يستطيع الغريب فيها مثلي البناء ، إنهم يكرمون الغريب ، ثم يطردونه .. ليس بعدالة عرب بادية ما قبل الإسلام ..!

عجباً .. عجباً ما اسمع .. أحقاُ ما تقول ..؟ تساءل الشيخ – ورب الكعبة يا فقيهنا الجليل .. كيف لي ، ألا أقول غير الحق .. وأنت قادم إلينا من دار الحق .. ولكن أرجو الا تخبرهم  بأننا لم نحمل رسالتهم للكون .. أرجو أن تدعهم مستريحين وهم يأملون فينا الخير وقول الصدق وحب الأخ لأخيه .. وألا تخبرهم بأن الإخوة يتشاجرون بعد وفاة الأب من أجل ما ترك لهم من رزق فان ، لا تخبرهم بهذا .. دعهم يستريحون في موتهم ونومهم الأبدي دعهم يعتقدون أن جيوشنا تدك حصون العدو .. وأن العدل يعم ديار المسلمين والناطقين بلغة الضاد ..! وإن العدل والأمن موجود كما في عصر عمر بن الخطاب .

فالناس يتساوون كأسنان المشط ..!! وإن جيوشنا تدافع عن الأمصار ، وأن ديار الإسلام بخير يعيشون الانتصارات ... وجحافلهم تصد العدو ، يجب أن تقول لهم هذا يا شيخنا الجليل ليستريحوا في رموسهم ..!

 

أعلي

627 عدد القراءات
 
 
جميع الحقوق محفوظة  © 2009 - لموقع الصياد