كنت مستلقياً في وادي السهل غرب طبرق ، بعد جولة على أطلال تحصينات دفاعات طبرق في
الحرب العالمية الثانية .. هنا دافعت الفرقة الأسترالية التاسعة ، أثناء حصار طبرق
الشهير. أبريل 1941م وكانت الفرقة تحت قيادة ضابط شجاع وعنيد: هو العميد مورهيد.
أغمضت عيني ، نمت أو هكذا حسبت نفسي نائماً... وما أنا بنائم...!
من مواضي العصور الغابرة جاءني الرجل... رجل يرتدي ملابس القرن الرابع الهجري...
حيّاني بتحية الإسلام، ثم عرّف بنفسه: أبو العلاء المعري..! أتعرفني يا أخا
الإسلام؟ ارتبكت لهول الموقف.. وظننت بعقلي قبل سمعي الظنون..! وهل يبعث رجل واحد
من دار الحق، إلى هذه الدنيا الزائلة..؟
تلعثمت ثم أجبت نعم يا سيدي أعرفك فيلسوفاً وشاعراً وأديباً.. أعرف أنك عبقري زمانك
..بل عبقري كل العصور . عرفتك يا سيدي من خلال "سقط الزند" ولزوم ما لا يلزم"..و "
رسالة الغفران" .. وما وقع بين يدي في هذا العصر الرديء ...حيث لا وقت للناس
للقراءة.. فبعض بني قومي لا يقرأون.....، وعلى ما أظن من تسارع الحياة، ومن الآلام
التي تجرعنا مرارتها منذ سنوات الطفولة ، حتى شيخوختنا، هذا بالنسبة لي على الأقل
... ومن تسارع الحياة ومن عدم الوفاء أيضا.
وبعد وقفة المذهول أجبته : أي نعم: أنت أحمد بن عبدالله بن سليمان التنوخي .. عربي
من قحطان . كما قرأت يا سيدي أنك مولود في معرة النعمان من أعمال حلب في يوم 27 من
شهر ربيع الأول عام 363 من هجرة الرسول عليه السلام. وقرأت أن صحتك اعتلت الجدري
وأنت في الرابعة من عمرك حيث فقدت البصر وشوه المرض وجهك بندوب، وقرأت أيضاً أنك
تلقيت النحو على إمام العربية في حلب : محمد بن عبدالله بن سعد النحوي ، راوية
الشاعر أبي الطيب المتنبي. ولقد قيل
عنك: ".. وهان عليه أن يعيش صائم الدهر وأن يمضي في محبسه تسعة وأربعين عاماً،
محروماً من الزوج والولد وطيبات الرزق: طعامه البقل ، ولباسه خشن القطن، وفراشه
وسجادته: من لباد في الشتاء ومن حصير البردي في الصيف"ما دمت يا بني تعرف عنّي
القليل، جئتك في رحلة في دنياكم الفانية ، لأرى عصركم وما فيه ... وماذا جرى لأمة
الإسلام وأمة بني يعرب، أريدك مرافقاً ودليلاً ، وأن ترحل معي مطوفاً.. لأشاهد ماذا
جرى معك أرض الإسلام.. وما جرى فيها...؟ وحدثني عن خليفتكم ما اسمه؟ وهل يحكم
بالعدل..؟ وهل يتساوى عندكم... الناس وهل هم"سواسية كأسنان المشط..؟
مرحباً بك فقيهنا وفيلسوفنا العظيم.إنني يا سيدي لست لغوياً أو شاعراً ولا أديباً ،
أو فيلسوفاً . إن عقلك الجبار كبير على أمثالي أن يجادله أو حتى يستمع إليه..ارشح
لكم صديق لي عاش طفولة معذبة وهو يكبرني بعدد من السنين عمراً ، ومعنى هذا يزيد عني
حكمة وعلماً.. بدأت وإياه كيف نفك الخط في مسجد زاوية اسمها المرصص، ثم في مدرسة في
بيت أمامه شجرة تين ، نطلق عليه (حوش الكرموسة) في نفس الزاوية، وهو لا زال يعيش في
هذه الدنيا الفانية حتى كتابة هذه السطور .(اسمه أحمد مصطفى بوقعيقيص ) ...أرى في
عقله وأدبه وعفة نفسه، ومعرفته بالتفريق بين الحلال والحرام...! حتى هذه الساعة .
فالبعض منا يتغير بسرعة وميض البرق...! أرشحه لكم مرافقاً..
علمت إنه في رحلة إلى نجد والحجاز لأداء فريضة الحج.. نعم يا سيدي لقد ذهب ولكن اسم
ذلك الوطن المملكة العربية السعودية الآن أجبت الشيخ، ولكن سأجيبك حسب فهمي ورؤيتي
للأحداث : يا سيدي لا يوجد لدينا خليفة واحد بل لدينا عدد لا يحصى من الخلفاء ،
ونحن نسميهم : الرؤساء والأمراء وسلطان واحد على ما أذكر. بل توجد إمارة عربية
صغيرة عدد سكانها محدود، عددهم يساوي ربع شرطة دولة اسمها أسبانيا .كانت اسمها
الأندلس عندما حكمها المسلمين حوالي ثمانية قرون. هذه الإمارة تحولت إلى مملكة
عظيمة وأميرها أصبح ملكاً عظيماً.!!
"أريد دليلي فحسب، ولا يشترط فيك أن تكون فيلسوفاً أو شاعراً أو حتى لغوياً . أريدك
صادقاً..! معي في جولتي بعالمكم العجيب" أجابني فيلسوف المعرة.
يا شيخنا الجليل،- قلت له- أريد أن أسألك قبل أن أبدأ رحلتي معك .. أود أن أسأل عن
سبب تأليفكم لرسالة الغفران..؟ قيل لنا في ما قرأنا ، إن السبب هو النفاق
والمنافقين !. وهل يوجد في عصركم يا شيخنا وفيلسوفنا الجليل منافقين...؟ كنت ولا
زلت أظن أن المنافقين، هم في عصرنا هذا، ولا وجود لهم في العصور الغابرة...!
" أي نعم يا بني المنافقون موجودون ، إنهم في كل العصور.." أجانبي شيخ المعرة.
"يا بني – والحديث لشيخنا الفيلسوف- لقد أمليت رسالة الغفران رداً على كتاب بعثه
إلي ابن القارح.. و لابد انك تعلم إن اسمه/ علي بن منصور الحلبي، وهذا الرجل قام
بهجاء أبو القاسم الحسين بن علي بن الحسين الوزير الأديب، الملقب
بالكمال، ذي الرئاستين: الوزارة والكتابة، وكما تعلم أبوه هن : أبو الحسين علي بن
عبدالله الحسين بن جوهر قائد القواد في جيش الحاكم الفاطمي، وجد الأسرة جوهر الصقلي
، فاتح مصر وباني القاهرة والأزهر. وكما تعلم عاش ابن القارح محسوباً على آل
المغربي، حيث كانت الدنيا لهم. فلما دارت الدائرة عليهم ، وقتل الحاكم الفاطمي
قائده أبا عبدالله الحسين بن جوهر سنة 401 هجرية، وتشرد بنوه في الآفاق تنكر لهم
علي بن منصور-ابن القارح- وكما تعلم يا بني كان معاصر لي وينتسب إلى حلب بحكم
مولده، ولقد أسرف في الملذات ، وعندما جاوز السبعين من عمره ووهنت قواه ، اعتزم أن
يئوب إلى حلب التماساً للاستقرار والراحة في شيخوخته
وبدأ
يمهد لمقامه في حلب بالكتابة إلى كما تعلم".
" لا تسأل يا بني إنني جئتك لأسالك... لا تحدثني عن الماضي أريد أن أعرف حاضركم وأن
أعرف حاضرتكم"؟
يتبع....