بسم الله الرحمن الرحيم
يقولُ اللهُ تعالَى: { سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ
لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } { الإسراء:1 } .
لقَدْ أكْرَمَ اللهُ تعالَى نبيَّهُ المصْطَفَى - صلى الله عليه وسلم - بهذِهِ
المَكْرُمَةِ العظيمَةِ بعْدَ أنْ بلَغَتِ الدَّعْوَةُ أشَقَّ المراحِلِ وأضْناهَا،
وأمَرَّ لحَظاتِها وأقْساها، وأرْبتْ مُناوأةُ خُصومِ الدِّينِ علَى الطّاقَةِ،
وقدَّرَ اللهُ تعالَى أنْ يَقْبِضَ إليهِ مَنْ كانَ سَنَداً مَكِيناً ورُكْناً
رَكِيناً لنبيِّهِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ورسالَتِهِ؛ حَمِيَّةً
وعَصَبِيَّةً، إنَّهُ عَمُّهُ الشَّهْمُ أبو طالبٍ؛ الذي كانَ يحْميهِ ويدافِعُ
عَنْه، ولم يُسْلِمْهُ لحظةً للعُتاةِ المجرِمينَ الذين أحْرَجوهُ مَرَّاتٍ
ومَرَّاتٍ، وشاءَ اللهُ سبحانَه أنْ تموتَ المرأةُ الصّالحةُ الخاشعةُ العاقِلَةُ
الرَّؤومُ؛ زوجُهُ خديجةُ رضِيَ اللهُ عَنْها، التي كانَتْ تُواسِيهِ وتُسَلِّيهِ،
ففَقَدَ - صلى الله عليه وسلم - برحيلِ العَمِّ والزَّوْجَةِ الأُنْسَ والسَّنَدَ
لولا حِمايةُ اللهِ تعالَى وحُسْنُ كلاءَتِهِ ورِعايَتِهِ.
ولمّا زادَ طُغْيانُ مُجْرِمِي مكَّةَ خرَجَ - صلى الله عليه وسلم - إلى الطّائِفِ
يَعْرِضُ دعْوَتَهُ علَى ثقيفٍ، فلمْ تَكُنْ عنْدَ ظَنِِّّه الحَسَنِ بها، بَلْ
رَدَّتْهُ رَدّاً عَنيفاً قاسِياً؛ حيثُ أغرَتْ بهِ السُّفَهاءَ، وتَدَاعَى علَى
أذِيَّتِهِ المجرمونَ الأشْقِياءُ، حتىَّ أدْمَوْا قَدَمَيْهِ الكريمتَيْن
وأرْهَقوهُ، وعادَ مُجْبَراً إلى جَبابِرَةِ مكَّّةَ طَريداً وَحيداً؛ فلَمْ
يستَطِعْ دُخولَها إلّا بجوارِ المُطْعَمِ بنِ عَدِيٍّ علَى كُفْرِهِ!.
وفي هذِهِ الحوادِثِ المُدْلَهِمَّةِ بالسَّوادِ تَفيضُ رحمَةُ اللهِ تعالَى علَى
عَبْدِهِ ورسولِهِ - صلى الله عليه وسلم -، وأكْرَمِ خَليقَتِهِ عليه، وأحَبِّ
رسُلِهِ إليهِ، فَيُسْرَى بهِ مِنْ مَكَّةَ إلى بيتِ المقدسِ، ثم يُعْرَجُ بهِ إلى
السماواتِ العُلَى.
ثَبَتَ في الصَّحيحينِ عَنْ أبي ذرٍّ - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله
عليه وسلم - كانَ في بيتِهِ، فجاءَهُ جِبْريلُ - عليه السلام -، فأخذَهُ إلى
المسجدِ الحَرامِ، وفي الحِجْرِ فَرَجَ صَدْرَهُ، ثُمَّ غسَلَهُ بماءِ زَمْزَمَ،
ثُمَّ جاءَ بِطِسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمتَلئٍ حِكْمَةً وإيمانًا؛ فأفَرغَهُ في صدرِهِ
ثُمَّ أطْبَقَهُ، ثم أسْرَى بِه إلى بيتِ المقدسِ علَى البُراقِ، وهُناكَ صلَّى
بالأنبياءِ عليهمُ الصّلاةُ والسّلامُ، ثم عَرَجَ بهِ إلى السماءِ الدُّنيا،
وتَنقَّلَ مِنْ سماءٍ إلى التي تَليها، ولَقِيَ في السماواتِ بَعْضَ إخوانِهِ مِنَ
الأنبياءِ والمرسلينَ: آدمَ في السماءِ الدّنيا، وعيسى ويحيى بنِ زكريا في السماءِ
الثانيةِ، ويوسفَ في السماءِ الثالثةِ، وإدريسَ في الرّابعةِ، وهارونَ في الخامسةِ،
وموسَى في السّادسةِ، وإبراهيمَ في السابعةِ؛ علَى نبيِّنا وعليهم جميعاً صَلَواتُ
اللهِ وسلامُهُ، ثم عَرَجَ بهِ جبريلُ حتَّى ظهَرَ لِمُسْتَوىً يَسْمَعُ فيه
صَرِيفَ أقْلامِ الملائكَةِ، ثم انطلَقَ به جبريلُ حتَّى انتَهَى إلى سِدْرَةِ
المُنْتَهَى، وهِيَ شَجرةٌ عظيمةٌ جدّاً فوْقَ السماءِ السابعةِ، يَنْتَهِي إليها
ما يَعْرُجُ مِنَ الأرضِ، ويَنْزِلُ إليها ما يَنْزِلُ مِنَ اللهِ تعالَى مِنَ
الوَحْيِ وغيرِهِ، وهُناكَ فَرَضَ اللهُ تعالَى عليهِ خمسينَ صلاةً في اليومِ
والليلةِ، فراجَعَ ربَّهُ بمَشُورَةٍ مِنْ أخيهِ مُوسَى - عليه السلام - حتَّى
صارَتْ خَمْساً.
إنَّ مِنْ أعْظَمِ فرائِضِ الإسلامِ ليلةَ المعْراجِ؛ الصّلاةَ، فهِيَ عِمادُ
الدِّينِ ورُكْنُهُ المتينُ، فَفِيها يَقِفُ المسلِمُ بيْنَ يَدَيْ ربِّهِ
يُناجِيهِ ويَطْلُبُهُ، ويتضرَّعُ إليهِ ويتَمَلَّقُهُ؛ أخرَجَ الإمامُ أحمدُ
والترمذيُّ مِنْ حديثِ الحارِثِ الأشْعَرِيِّ - رضي الله عنه - عَنِ النبيِّ - صلى
الله عليه وسلم - قالَ: "إِنَّ اللهَ أَمَرَ يَحْيَى بنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ
كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا
بِهَا"، فذكرَ مِنْها: "وَإِنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ
فَلا تَلْتَفِتُوا فَإِنَّ اللهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلاتِهِ
مَا لَمْ يَلْتَفِتْ".
وفي صحيحِ مسلمٍ عَنْ أبي هريرةَ - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه
وسلم - قالَ: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ
فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ"، ولا زالَ نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - يأمرُ
بالصّلاةِ ويعلِّمُها أصحابَهُ حتَّى كانَتْ آخِرَ وَصاياهُ قَبْلَ أنْ يُفارِقَ
الدُّنيا؛ فقَدْ أوْصَى النّاسَ في مرضِهِ الذِي ماتَ فيهِ بها، قالَ أنسٌ - رضي
الله عنه -: "كَانَتْ عَامُّ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ
حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَهُوَ يُغَرْغِرُ بِنَفْسِهِ: الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ
أَيْمَانُكُمْ"[أخرجَه أحمدُ وابنُ ماجَه].
إنّ مُعْجزةَ الإسراءِ والمعراجِ بنبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - تجعلُ المسجدَ
الأقْصَى أمانَةً في أعْناقِ أهلِهِ المُرابطينَ أوّلاً، ثُمَّ في أعْناقِ عُمومِ
المسلمينَ، لا يَحِلُّ للجميعِ التهاوُنُ في حِمايَتِهِ ورِعايَتِهِ وَدَرْءِ
الأخْطارِ عَنْه.
إنَّ مِنْ حِكَمِ مُعجزةِ الإسراءِ والمعراجِ: أنَّ الإسراءَ بالنبيِّ - صلى الله
عليه وسلم - مِنَ المسجدِ الحرامِ إلى المسجِدِ الأقْصَى فيهِ إشارةٌ إلى أنَّ
النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سَيَرِثُ قِيادَةَ الأُمَّةِ، وستَرِثُ أُمَّتُهُ
هذِهِ البلادَ، ذلِكَ أنَّ اليهودَ لمَّا حرَّفُوا وبدَّلُوا لَمْ يَعُودوا
يَصْلُحونَ لِلْقِيَادَةِ؛ فأُسْرِيَ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجِدِ
الأقْصَى تبشيراً له بأنَّ قِيَادَةَ هَذا المسجدِ سَتَنْتَقِلُ إليهِ، وأنَّ هذِهِ
الأرضَ ستَرِثُها أُمَّتُهُ.
ومِنْها: أنَّ في صلاتِهِ - صلى الله عليه وسلم - بالأنبياءِ جميعاً إشارةً إلى
أنَّهم وهُمْ في عالَمِ البَرْزَخِ قَدِ اقْتَدَوْا بهِ وَائْتَمُّوا بِه؛ فَفِيهِ
دِلالةٌ علَى أنَّ شريعةَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - هِيَ الخاتِمَةُ، وقَدْ
أخذَ اللهُ تعالَى مِنَ النَبِيِّينَ جميعاً العَهْدَ والمِيثاقَ لَئِنْ جاءَ محمدٌ
- صلى الله عليه وسلم - وهمْ أحياءٌ لَيُؤْمِنُنَّ به ولَيتَّبِعُنَّهُ، فأعْطَوْا
اللهَ عزَّ وجلَّ علَى ذلِكَ عُهودَهم ومَواثِيقَهم، وكأنَّ الأنبياءَ عليهمُ
السّلامُ بصَلاتِهم خَلْفَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يُريدونَ أنْ يَقولوا
لِمَنْ لَمْ يَتَّبِعْهُ مِنَ اليهودِ والنّصارَى وغيرِهم: لوْ كُنَّا أحياءً
لاتَّبَعْناه، فما بالُكمْ لا تَتَّبِعونَهُ وهوَ بَيْنَ أظْهُرِكم، قالَ سبحانَه:
{ وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ
وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ
وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي
قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ } { آل
عمران: 81-82 }
أسامه محمد المنصوري