كان الحديث الصامت بيننا يأخذنا إلى أعماق عالم لا متناهي ،، عالم معقد يصعب تفسيره
وترجمة تلك المشاعر إلى كلمات مفهومة ..
رحلة صعبة وأشياء معقدة فعلاً .. كنت أنظر في عينيها أتفرسها وأسبح بنظراتي في ساحة
وجهها ببرود هادئ .
كانت خجولة ومحرجة تحرك أصابعها الطويلة البيضاء وسط شعرها المسترسل على جبينها ،
ترفعه إلى أعلى فيرجع من تلقاء نفسه كأنه يداعبها .. الحياة لها معنى .. الشعور
بالوحدة مع الناس هو أمر فضيع لأنه يعني الانفصال عن البشر ، تعلمت من خلال تجربتي
في الحياة بأن لا استسلم أبداً حتى ولو كان الثمن من أجل ذلك باهظاً ، كنت أتحدث
إليها وشعرت بأنها تسترق السمع وكأنها تدخل بأحاسيسها لتسمع ما بداخلي ،، قد ينهار
العالم ويسقط فجاءه ليتسع الشرخ وتتشبث الأصابع بالهواء ،، تنكسر الأخلاق وتموت
الأحاسيس بالبشر فنبقى مثلنا مثل الحيوانات الميتة شعور صعب وقاس ،، ربما إحساسي
بالإحباط بالسقوط بالضجر بالمتناقضات في هذه الدنيا ،، والكثير الكثير من الألم ،
ويبقى حديثي كالهذيان ،، صحوت من تلك اللحظات القاسية على ابتسامة على قسمات وجه
سلمى ،، قبضت أصابعها ورفعت يدها وخبأت شفتيها ابتسامة صدر صداها بصوت نامت عليه
عيون راحت تنظر إلى امتداد البحر ، وقالت أحمد أنت تعطيني الأشياء على حقيقتها ،،
الشرخ ،، يسقط العالم الحاجز ،، توقفت عن الحديث وأصابعها هي الأخرى قد توقفت على
جبينها كنت أنظر إليها ،، صعب علي أن أبقى صامداً أمام نظرات عينيها السوداوين
الناعسة إنها إحدى حقائق هذا العالم ،، كنت أشعر كمن تقطع أوصاله ،، إنها قوة
حقيقية للمشاعر النظيفة .
أشياء كثيرة أريد أن أعرفها ،، أفكار عدة تجول بخاطري ،، وأسئلة كثيرة بلا إجابات
،، يا لها من دوامة علاقتي بهذه المرأة كيف هي ؟ ماذا أريد ..؟ إلى أين أنا ماض ..؟
ما هي حقيقة مشاعري ؟ إنها الهوة إن سقطت فيها لها عواقب نتائجها سقوطي في الشرخ
كانت هادئة ،، وكنت أسأل نفسي أين أنا الآن ؟ إني أرى فيها امتداد البحر ورائحة
نسمات الشمال .. تفوح برائحة سلمى ،، كانت تنظر لي ،، أنت هنا في العالم المعبأ
بالكثير من الأشياء التي يرفضها العقل وتقبلها النفوس الضعيفة ،، سينكسر الحاجز
وتبقى رائحة الآخرين كالبيض الفاسد ،، شعرت أنها تتألم بشده عندما ندرك أننا وقعنا
في الفخ ، نحاول أقناع أنفسنا أننا خدعنا الآخرين ،، يحدث كل هذا الخطأ ليبقى هو
الطريق الذي يجب أن نهرب معه بفعلتنا ،، والمساء والشاطئ الطويل وخطواتنا تغوص في
الرمل ،، فتبقى حفرا كبيرة ، وتختفي من موجة تستريح على الشاطئ من بعد عناء ورحلة
طويلة وتظهر الخطوات من جديد وهكذا وبقينا نمشي وكنا قريبين من بعضنا ،، لا نريد أن
نفترق ، كلانا يمد الآخر بقوة استمراريته في هذه الدنيا ..
وصوت مزمار شعبي يداعبه راع بأصابعه فيبقى صوته يبث في مشاعرنا إحساس بالاستسلام
لتلك الأنغام ..
إنه يحكي فيها أشجانه وغربته عن فتاة التقى بها يوما ،، وافترقا ولكنه لم ييأس
فربما تعود له يوماً .
وغاب صوت مزمار الراعي بعيدا إنه يختفي وشياهه وبقينا وحدنا وبقى الزمن وحده يسرق
منا لحظات لا نريدها أن تنتهي ومشينا ،، كنا نحكي عن أشياء كثيرة ..
والشمس خجولة متعبة من رحلتها اليومية ،، جلسنا على الشاطئ متعبين ، كنا نرنو على
مدى البصر إلى نهاية الأفق ،، إنه امتداد كبير لا ينتهي ،، طيور النورس في جماعات
تحلق ، وتعزف أصواتها لحن المساء إنها تغوص مجموعات ، وتخرج أسماكاً صغيرة وتطير
بعيدا حتى تختفي ثم تعود .
كنا مستسلمين لكل ما نرى ، وما نسمع وما لا نسمع ،، نسمات البحر الرطبة تمتزج
برائحتها وتداعب شعرها المبعثر ، وشامة على خدها كحبة خردل في صحن مرمر تختفي وتظهر
مع مداعبة النسيم لخصلات شعرها الأسود الطويل الذي تدعبه نسمة المساء .
بدأنا نحكي عن علاقات البشر ،، وعن الذات ،، كنا ننظر إلى بعضنا ،، وكنت أرى في
عينيها مرفأ قاربي المتهالك ،، أرى فيها أيام العذاب والعوز ،، أرى فيها مدفن
أسراري ،، وأنها حرقت كل الكوابيس التي عشتها قبل أن نلتقي كنت تائهاً في عالم بلا
حدود كانت أصابع يديها طويلة بيضاء ، زُيّنَ أحد أصابع يدها اليسرى بخاتم من الذهب
الأبيض به قطعة سوداء بلون عينيها .
كان صوتها ناعما متناغما مع ضربات قلبها ،، تحكي لي عن علاقتنا ،، عن حديث الناس
وعن المشاعر ،، عن الإحساس الذي يسري في الدم والجسد عندما ينتقل الإنسان من حال
إلى حال ، لأن الحب لا يعيش في الدم الفاسد حتى لا يموت القلب ويبقى الإنسان
كالرميم ،، علاقتي بك جزء من كياني ،، وجودك يعني لي أني أستمد حياتي من نبضات قلبك
علاقتي بك عرفت من خلالها أني رسيت بمركبي على شاطئ الأمان ..
أشياء كثيرة يرجع فيها الأمر إلى تصرف الإنسان بعقله ربما الإحساس بالأشياء التي
تجعلنا نحس بأننا أحياء ، له امتداد مع أشياء أخرى ،، نعجز في أحيان كثيرة أن نصل
إلى تحديد نقطة البداية فيها .
كانت الأمواج متلاحقة وكانت تنتهي عند الشاطئ وتمتصها الرمال عند ما تصل إلى
النهاية ، وتدفن بكل أسرار البحر ..
كنت أنا الآخر أشعر بأن البحر ابتلعني فعلاً ، ليطفئ في حريق الشوق والألم ، وتبقى
الأمواج الصغيرة تختفي وكأنها تسترق السمع لما نحكي ، وتهرب به إلى أعماق البحر
لتبقيه في أعماقه هناك ، بين إعشابه حكينا وحكينا عن قصة المرأة التي خدعت لأنها
مسلوبة الإرادة مع رجل ارتبطت به ، وكادت تموت فرحة بلقاءه ، وكأنه ضالتها التي
تبحث عنها سنين عمرها ،، صدقته في كل ما كان يحكيه ،، صدقته يوم بكى وسكب الدموع من
عينيه وقال أنه لا يتصور أبدا أن يستمر في هذه الحياة بدونها لأنها هي الشريان الذي
ينبض به قلبه ، صدقته عندما احتضن يديها وقال أريدها أنْ تبقى بين يدي إلى الأبد .
كل ذلك حدث وكأنها كانت تعيش بعيد عن عقلها وصرخت الفتاة وخرجت عن طورها ، وكانت
عبراتها من هول الصدمة دون دموع ..
عندما أرتفع صوت ضحكاته وصرخ فيها قائلاً : أنت بلهاء ، متخلفة ، أين أنت من
العولمة والعالم المتحضر ، إن الأشياء الغالية رخيصة وتعطي بلا ثمن ، إنك لن تقبلي
السير في مركبنا إنني لست ممن تربطهم علاقة بأمرأة واحدة ولست من أنصار الزواج
أعطاها ظهره وخرج من حياتها ، بعد أن دمر مدينتها وهدم أخلاقها ، وبقت وحدها تندب
حظها مثل الكثيرات ممن سلبت إرادتهن ..
مسكينة لم تكن أسعد حظاً من صديقتها التي أرادت أن تبني أحلامها ومستقبلها ،، أرادت
أن تصنع آمالا ،، وتبقى في الأعلى ،، أن تبقى فلانة صاحبة الملايين ، والجاه ،
والأصابع ألأمره التي إذا أشارت نفذ أي أمر تصدره ،، أرادت أن تدوس الفقر وحياة
العوز وتودعهما وتصب عليهما لعناتها ،، فسلكت طريقا غير سوية ، وبقت تعطي وتأخذ بلا
حساب ، فأدركها الغرق في وحل الرذيلة فتهدم كل شئ على رأسها لأنها أخطأت الاختيار
،، لم تبق طويلا ، ماتت من القهر والحسرة هكذا صفى الحساب .
بقينا صامتين وكأنها لحظات حداد على ما حدث علاقة الإنسان بالإنسان وكيفيتها ، ووضع
احتمالات لخلق مبررات تبقى الأشياء المشينة طاهرة خالية من الخبث والأمور السيئة
كانت تنصت لما أحكي ، هناك فترة يكون الإنسان فيها قد وصل إلى مرحلة نفسيه تجعله
يفقد التفكير ، والأسواء أن يفقد هويته كإنسان فيبقى خارجا عن طوره ، وغير مسؤول عن
تصرفاته يحدث هذا إذا أراد أن تنهزم أمامه أوهامه ، بدل أن يجد نفسه مكبلاً بها ،
ويضيع فيها بعيداً عن عقله .
ربما لا يدفع ثمن سوء تصرفه وحده ، الأمر قد يكون خطيراً حتى ولو على جزء بسيط في
مجتمعه الذي يعيش وسطه .
نظرت إليها ،، كانت رموش عينيها السوداوين قد تشابكت واستراحت للحظات وكأنها نامت
تفككت أصابع يديها الطويلتين ، واستراحات ووضعتها على الرمال ، حتى كادتا أن تختفيا
.
ورنت إلى البحر وقالت : لا أدري كيف يرغم الإنسان نفسه على أن تسلب أرادته ما يحدث
لهؤلاء المنحرفين ، قد يكونون مرغمين ،، ربما نتيجة الإحساس بالفراغ أو الهروب أو
الظلم ، وشعورهم أنهم منفيون من المجتمع الذي يعيشون فيه ، ويدفعون ثمن الظلم نيابة
عنه ، مجرد خاطرة لمأساة الوقت يمر والشمس هي الأخرى تهرب وقفنا ومشينا ، ومدت لي
يدها ، ومددت يدي إليها ، وتعانقت أصابعنا ، والشاطئ طويل لا يمكن أن ينتهي ،
والشمس قرص كبير أحمر ، وسحابة بيضاء كعلامة الاستفهام ، توقفنا عن الحديث وشعرنا
أن حبات الرمال تحترق وتذوب في كفينا ، ونمشي ونمشي والخطوات متعبة ، متثاقلة ،
وطيور النورس تعزف لحن المساء ، وكأنها تودعنا حتى اختفينا مع الغروب .
إلى اللقاء
الكاتب / مفتاح التهامي .