قراءات / حسين نصيب المالكي
إن تكتب دراسة عن جنس من
الأجناس الأدبية في فترة زمنية محددة وتحصرها بتلك الفترة الزمنية ثم تصدرها بعد
عشرات السنوات في كتاب وخاصة دون متابعة متواصلة للمشهد الثقافي الليبي طيلة تلك
السنوات الماضية وبعد أن يطلع القاريء و المثقف الليبي على هذا الكتاب قد لا يجد
فيه الجديد وقد يقع الكاتب أو الناقد صاحب الدراسة أو الكتاب في العديد من الأخطاء
دون أن يدري
وهذا ما حدث بالفعل للأديب
الجزائري الدكتور عمر بن قينة الذي صدرت له العديد من المؤلفات في الرواية والقصة
القصيرة وأدب الرحلات والنقد الأدبي عندما عثرت على كتابه الذي وقعت عيناي عليه
بالصدفة معروضا في إحدى أجنحة دار من دور النشر أثناء زيارتي لمعرض الجماهيرية
الدولي للكتاب الذي افتتح في الأيام القليلة الماضية بمدينة بنغازي الكتاب كان
بعنوان القصة العربية الليبية القصيرة نشأتها وتطورها وهو صادر عن دار النشر
للجامعات بالقاهرة الطبعة الأولى سنة 2007م لمؤلفه الدكتور عمر بن قينة
وعندما اطلعت عليه وقرأته وجدته يتحدث عن بدايات القصة الليبية القصيرة ونشأتها حتى
أواخر السبعينيات مهد لكتابه هذا في الحديث عن الوضع التاريخي والسياسي والاجتماعي
والثقافي في ليبيا منذ الاحتلال الإيطالي سنة 1911م وحتى استقلال ليبيا سنة 1952م
ثم ثورة الفاتح من سبتمبر سنة 1969م وما قامت به من تغيير جذري في البلاد وخصص
الباب الأول للحديث عن القصة الليبية القصيرة في ليبيا قبل السبعينيات 1970م وان
كنت اختلف معه من حيث بداية ونشأة القصة الليبية القصيرة فهو يقول : (( لقد تأخر
ميلاد القصة الفنية الليبية إلى فترة الاستقلال نتيجة الوضع الاستعماري الإيطالي في
ليبيا ))ص 32 وهذا ليس صحيحا

فالواقع إن القصة الليبية كانت
بداياتها و نشأتها قبل الاحتلال الإيطالي لليبيا مع صدور الدستور العثماني سنة
1908م الذي أذن بصدور الصحف والمجلات في ليبيا حيث صدرت صحيفة المرصاد في تلك السنة
ونشرت على صفحاتها أول قصة ليبية قصيرة بعنوان ليلة انس لكاتبها محمود بن عيسى كما
نشرت بعد ذلك قصة لو كان الفقر رجلا لقتلته للكاتب احمد فساطو وفي سنة 1929م نشرت
صحيفة الرقيب العتيد على صفحاتها قصة قصيرة بعنوان أنت للكاتب على محمود بن موسى.
وبعد ذلك بسنوات صدرت مجلة
ليبيا المصورة بالتحديد سنة 1935م وخصصت في كل عدد منها قصة الشهر فكانت أول قصة
تنشرها بعنوان قوتان للكاتب أحمد راسم قدري وفي سنة 1936م صدرت أول قصة للكاتب
وهبي البوري بعنوان ليلة زفاف ثم توالت قصصه على صفحات تلك المجلة مثل الفشل ،
وتبكيت الضمير ، الحبيبة المجهولة ، عزيزة ، رسائل محزون ، البئر المهجور ، عمي
مرسال وغيرها.
وفي سنة 1957م صدرت أول مجموعة
قصصية بعنوان نفوس حائرة للكاتب عبد القادر بوهروس ثم صدرت المجموعة القصصية
الثانية سنة 1958م للكاتبة زعيمة سليمان البار وني بعنوان القصص القومي
ثم برز بعد ذلك من كتاب القصة
القصيرة طالب الرويعي ويوسف الدلنسي واحمد محمد العنيزي ومحمد كامل الهوني ومفتاح
السيد الشريف ورمضان عبد الله وغيرهم .
ثم اطل جيل الانفتاح والإطلاع
على أدب المشرق العربي في أواخر الخمسينيات والستينيات جيل كامل المقهور وعبد الله
القويري وخليفة التكبالي وبشير الهاشمي واحمد إبراهيم الفقيه ويوسف الشريف وشريفة
القيادي الذين صدرت لهم مجموعات قصصية متعددة.
ثم جيل السبعينيات في القصة
القصيرة ويمثله محمد علي الشويهدي وإبراهيم الكوني وخليفة الفاخري وخليفة حسين
مصطفى ورضوان بواشويشة ومحمد المسلاتي ونادرة عويتي ولطفية القبائلي ومرضية النعاس
واحمد نصر وسالم الهنداوي وإبراهيم النجمي وكاتب هذه السطور وسالم العبار وغيرهم .
ثم توالت أجيال القصة بعد ذلك
وأصبحت القصة القصيرة من اشهر الفنون الأديبة وأغزرها في ليبيا من حيث الطباعة
والنشر سواء منشورات مؤسسة الثقافة أو مجلس الثقافة العام اواصدارات المطابع
الخاصة في مجال القصة القصيرة وطرقت المضامين العصرية الجديدة وارتقت بفن القصة نحو
النضج والاكتمال واللغة الشاعرية والفلاش باك والاسترجاع وغيره من الأساليب الحديثة
لو صدر كتاب القصة العربية
الليبية القصيرة نشأتها وتطورها وقضاياها للدكتور عمر بن قينة في أواخر السبعينيات
لوجدنا له العذر والمبرر في عدم وجود الدراسات والمراجع عن القصة الليبية القصيرة
في تلك الفترة لكن أن يطبع هذا الكتاب ويصدر في سنة 2007م كان عليه أن يتأنى ويطلع
طيلة فترة 37سنة عن كل ما كتب عن القصة الليبية القصيرة وما ظهرت من دراسات وأبحاث
ومؤلفات عديدة في هذا المجال لعل اشهرها خلفيات التكوين القصصي في ليبيا للقاص
الراحل بشير الهاشمي وبدايات القصة الليبية القصيرة للقاص والروائي احمد إبراهيم
الفقيه المضمون الثوري في القصة الليبية القصيرة للكاتب فوزي البشتي ودراسات في
القصة الليبية القصيرة للناقد الراحل سليمان كشلاف كتاب قراءات في القصة القصيرة
حسين نصيب المالكي وكلام في القصة للناقد أمين مازن وزمن القصة للروائي الراحل
خليفة حسين مصطفى هذا بالإضافة إلى معجم القصاصين الليبيين الذي أصدره الكاتب عبد
الله مليطان هذا ناهيك عن العديد من الكتب الأدبية التي صدرت والتي افرد مؤلفوها
فصولا عن القصة الليبية القصيرة بداياتها ونشأتها وروادها
أما الفصل الثاني من الكتاب
فقد تطرق الكاتب عمر بن قينة للحديث عن المقاومة وآثار الاستعمار كما جسدتها القصة
الليبية القصيرة سواء في عهد الاحتلال الإيطالي أو أثناء العهد الملكي وثار ذلك
الاحتلال وتلك الهيمنة من شيوع للقيم المادية وإهمال للريف والأرض وانتشار الآفات
الاجتماعية مثل السرقة والرشوة والتسول والانحلال الأخلاقي في بعض المدن وأنهى
الباب بفصل عن الأمومة والطفولة كما صورتها القصة الليبية القصيرة أما الباب الثاني
فقد تطرق فيه المؤلف إلى الحديث عن القصة القصيرة حتى أواخر السبعينيات ووضع
المرأة الليبية في تلك الفترة وقضاياها واهتماماتها أما الفصل الأخير فقد خصصه
للحديث عن قضية فلسطين كموضوع جديد بعد سنة 1970م
وبالرغم مما لدي من ملاحظات على
كتاب الدكتور عمر بن قينة القصة العربية الليبية القصيرة نشأتها وتطورها وقضاياها
والكمال لله وحده الاانه يبقى إضاءة مهمة لجانب من جوانب الأدب الليبي
وجهد نثني عليه ونقدره فهذا الكتاب يستحق القراءة والإطلاع