
الإهداء
إلى شهداء أسوأ المعتقلات الإيطالية في القرن
العشرين وإلى جماجم الشهداء من الأطفال والشيوخ والنساء الذين استشهدوا من جراء
المجاعة ، الشنق ، وضرب السياط ، وهم عشرات الأف ينامون تحت اقواز رمال قريتي
الجماجم (البريقة والعقيلة ) .
اهدي هذا الكتاب لواء ركن سليمان محمود سليمان
عشت فى مدينة طبرق التى بها ولدت وتأثرت طفولتى ـ كما تأثر سكانها - بما زرعه
المتحاربون من آلات جهنمية ، والتى تعرف محليا ً بـ( التربان )ـ الألغام ومصائد
المغفلين ، وكان الخطر محيطا ً بالمدينة المدمرة والتى أصبحت أطلالا ً، حيث عاش
سكانها الذين تم تهجيرهم من المدينة التى اعتبرت منطقة عسكرية ، وعاش سكانها ـ
وأيضاً أسرتى ـ فى زاوية المرصص ، أنواع كثيرة من آلات الحرب القاتلة شاهدتها فى
طفولتى بمناطق شتى : وادى السوينات ، أم قحيقيح ، وادى السد والشبرق ، ومحيط عين
الغزالة وحول طبرق ، عكرمة ، سيدى رزق ، كمبوت ، ولقد عرفت من ذوى الخبرة ، أنها
ألغام ضد الدبابات ، وألغام ضد الأشخاص ، مصائد المغفلين والقنابل اليدوية من جميع
الأنواع : إيطالية ألمانية وبريطانية الصنع ، وكان هذا قبل أن أدرس هذا السلاح
القاتل والمدمر.. وكانت حقول الألغام تمتد فى محيط دفاعات طبرق ، وفى الخط الدفاعى
الشهير من عين الغزالة على شاطئ البحر، وحتى عمق الصحراء عند بئر حكيم ، وفى
الحقيقة فى كل منطقة البطنان ـ وهى التى أكتب لها وعنها ـ . وكانت توجد ألغام زرعت
عشوائيا ً ، والتى تزرع فى أوقات انسحاب أحد الجيشين المتحاربين ، وهى اِلأكثر
خطورة ، حيث لا توجد أسلاك شائكة ، كما لم توضع لها علامات تحذيرية. ولقد شاهد جيلى
ـ من الأطفال ـ فِى عام 1947 ـ وهوعام الوعى كطفل بما حولى ـ الذخائر، الدبابات
والعربات ، وحتى الطائرات المتوقفة فى المهابط الترابية وقنابل الطائرات .. ولقد
تأثرت ـ وجيلى - بمشاهد انفجارالألغام فى البشر والحيوانات والأطفال الأبرياء ، ولا
زلت أذكرـ فى شيخوختى الآن - صوت انفجار قوى فى زاوية المرصص ، ثم تبعه صراخ النساء
، ولقد اندفع الرجال قبيل الغروب ، وقبل وقت تناول وجبة الإفطار، بعد يوم من الصيام
فى شهر رمضان المبارك بقليل ، بإتجاه دوى الإنفجارالذى يقع إلى الغرب فوق مرتفع فى
وادى ـ( السوينات )ـ . شاهدت حفرة كبيرة ، وبدأ الرجال يبعدون النساء ، كما بدأوا
يجمعون قطعا ً من اللحم المحترق فوق الشجيرات الصحراوية ، بعيدا ً عن مركز
الانفجار، ولقد شاهدت شيئا ً محترقا ً فوق شجيرة تناولتها ومددتها لأحد الرجال ،
الذى اتخذ من عمامته لتجميع بقايا إنسان ، كان المتوفى اسمه المبروك الفضيل الشريف
.
كما شاهد جيلى من الأطفال مدينتنا - طبرق- المدمرة والتى أصبحت أطلالاً ، وشاهدنا
جنود الكومونولث : بريطانيون ، أستراليون ، هنود بولنديون ، ونيوزيلانديون ، يجوبون
شوارع مدينتنا المدمرة ، وكان الأسرى الألمان ، هؤلاء الرجال المحنكون فى الحرب
والذين يتميزون بالكبرياء ، وقد حاربوا مع ثعلب الصحراء ، وهزموا فى معارك خاضوها
كفرسان القرون الوسطى ، ولم تلطخ أيديهم بقذارة الحرب فى أوروبا ، أو كما حدث
لفيتنام من المحاربين الأمريكيين ، أوكما حدث أخيرا ً فى العراق من تعذيب للأسرى
وإذلال الإنسان ، والتعصب الدينى والإساءة للإسلام العظيم .
وكان لا بد أن أكتب شيئا ً عن الحرب ، وكانت محاولتى الأولى كتاب : روميل والفيلق
الأفريقى ـ حرب الصحراء ـ ثم كان ترجمة كتاب فارنر شميدت عن الإنجليزية (مع روميل
فى الصحراء) ، بمشاركة صديقى ، الدكتور يونس عزيز، من القطر العراقى الشقيق المدمر
والمحتل . ولقد كان المؤلف مرافقا ً لروميل فى معارك الصحراء ، وشارك فى القتال فى
ليبيا كقائد كتيبة ، كما قاد كتيبة من الوحدة الخاصة 288 .
وبعودتى لموقع رأسى ـ مدينة طبرق- التى ابتعدت عنها فى سنوات الشباب المبكر( باحثا
ً عن حلم جاش به جيل يعتز بعروبته ، وشاعرا ً في إعتزاز بهتاف : العروبة والوحدة ،
والقتال والاستشهاد على أرض فلسطين . أحلام لم تتحقق ، وقد يأت جيل يكمل مسيرة رفع
راية القومية العربية والوحدة ، والتصدى للإنقسام وإذلال الغرب ، ويا خيبة قادة
وحكام أوطان العروبة.
* بدأت فى جولات استطلاعية فى الصحراء لزيارة الميادين التي جرت فيها المعارك، وكان
لها دوى عالمى فى الأربعينات من القرن الماضى: ( 1940 / 1943).. بدأت أجوب الصحراء
متخيلا ً القتال ، الكر والفر، وكأنى بثعلب الصحراء على رأس طوابير الفرقة الخامسة
عشرالشهيرة أو الفرقة التسعين الخفيفة والفرقة الحادية والعشرين بانزر يصرخ فوق
عربته : ( إلى الأمام .. إلى طبرق ..! ) .التحصينات الخنادق ، الألغام التى ما زالت
تؤثر فى البشر والحيوانات ، حتى كتابة هذه السطور ( فبراير 2006 ) .. بدأت فى
التقاط الصور لتحصينات قاومت الزمن ، وكان من الواجب أن أصف المواقع وأحداثها
بإيجاز ، وتأثير الأرض والطقس ، وخصوصا ً العواصف الرملية فى الصحراء ، وخطوط
الإمداد والتعبية ( التكتيك ) الذى طبقه الجانبان ، وكان روميل سيد التكتيك وسيد
الإرتجال ، كما انه الإنسان الذى يحترم عدوه ، ويقدر أسراه .
إن هذه دراسة موجزة عن طبوغرافية قسم من مسرح الحرب فى ليبيا ، وبدقة أكثر وصف
لدارالحركات ، التى تعًرف بأنها جزء من مسرح الحرب ، أوالمنطقة التى يطلق عليها
المنطقة الشرقية ( برقة ـ مارماريكا ). والهدف توثيق ما يمكن توثيقه من معالم الحرب
التى جرت فوق أرضنا واكتوينا بنار صراع الجيوش فوقها . ثم توثيق ما وقع بين يدى من
مراجع عن تشكيلات الفرق وجيش البانزر، قادته ، وقادة فرقه الشهيرة ، والذين خدموا
تحت قيادة آرفين روميل ، الذى أطلق عليه أعداؤه اسم ( ثعلب الصحراء ) . والذى شاهده
آباؤنا يزمجر فى الصحراء . وكان الآباء يحبون ويحترمون الألمان رغم وجود الإيطاليين
أعدائنا القدامى فى صف المحور . وكم عانى هذا الشعب من ويلات الحرب : من استشهاد
ودمار، وخراب وفزع وجوع ، والتنقل من مكان إلى آخر هربا ً من صدام جيشين استخدما كل
أسلحتهم الفتاكة التدميرية فوق هذه الأرض الطيبة .
كما لا بد أن أكتب عن التشكيلات الألمانية وفرقها وبعض قادتها ، الذين احترمهم
أعداؤهم فى تلك الأيام ، وما زالوا يحترمونهم ، حيث قاتل الألمان تحت قيادة عبقرى
حرب الصحراء المشير أرفين روميل ، وكما أكتب عن هذا القائد ، لابد أن أكتب عن بعض
هيئة أركاناته وبعض الرجال الذين أحبوا قائدهم فى النصر وفى الهزيمة ، ثم لابد أن
أكتب عن تشكيل اشتهر فى حصار طبرق الشهير وأعنى به تشكيل الفرقة الأسترالية التاسعة
.
* قبيل الحرب العالمية الثانية ، تم التوقيع عام 1936 على ما أطلق عليه اسم ( ميثاق
مقاومة الشيوعية ) الذى تبنته ألمانيا وانضمت إليه إيطاليا واليابان ، وأطلق على
هذا الميثاق أوالتحالف اسم ـ( المحور)ـ الذى استهدف عزل الإتحاد السوفيتى عن العالم
وتهديده .
وعند ما وصل هتلر إلى السلطة ، بدأت ألمانيا فى بناء قوتها العسكرية ، لتحطم معاهدة
( فرساى ) التى أذلت ألمانيا ، بعد هزيمتها فى الحرب العالمية الأولى .
وفى عام 1938 طالب أدولف هتلر بمنطقة السوديت ، التى يسكنها ثلاثة ملايين ألمانى ،
وتتبع دولة تشيكوسلفاكيا . ورفضت تشيكوسلوفاكيا ، وساندها كل من الاتحاد السوفيتى
وفرنسا فى رفضها إعادة هذه المناطق إلى ألمانيا ، وانعقد مؤتمر فى ميونيخ يوم 30
سبتمبر 1938 حضره كل من : تشمبرلن رئيس وزراء بريطانيا ، ودالاديه رئيس وزراء فرنسا
، وهتلر، وموسولينى ، وقرروا إعادة المناطق السوديتية إلى ألمانيا ، وأرغمت
تشكوسلوفاكيا على ذلك ، واستولى الألمان على هذه المناطق فى شهر أكتوبر.
وقد أدى هذا الاحتلال لتشيكوسلوفاكيا ببولندة إلى مقاومة العدوان الذى وقع عليها .
وفى هذا تحد ٍجرئ لمطالبة ألمانيا بضم ميناء دانزيغ . وتعهدتا كل من بريطانيا
وفرنسا فى 31 مارس 1939 بالمساندة والتصدى للعدوان الألمانى بشأن المطالبة بضم
الميناء المذكور . ثم قامت ألمانيا بالتوقيع على معاهدة عدم اعتداء ، مع الاتحاد
السوفيتى بتاريخ 23 أغسطس 1939 .
* رفضت بولندا إعادة ميناء دانزغ إلى ألمانيا ، كما فشلت المفاوضات والوساطات . وقد
اجتاحت القوات الألمانية بولندا فى الساعة 05,30 من يوم 1 سبتمبر 1939 ، وفى يوم 3
سبتمبر أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا ، وتقدمت القوات السوفيتية من
الشرق نحو بولندا ، واحتلت القوات الألمانية العاصمة وارسو يوم 17 سبتمبر، وانهارت
المقاومة البولندية فى يوم 29 سبتمبر عام 1939 وتقاسمت ألمانيا بولندا مع الاتحاد
السوفيتى واستمر الهدوء فى الجبهة الغربية والتى أطلق عليها ـ( حرب التلفونات)ـ .
وفى يوم 10 مايو عام 1940 اجتاحت جيوش ألمانيا كلا ً من بلجيكا ولوكسمبرج ، كما
انهارت المقاومة الهولندية فى يوم 15 مايو ، وتم اختراق الجبهة الفرنسية عبرسيدان
يوم 17 مايو 1940 واستسلم البلجيكيون يوم 27 مايو، ثم انسحب البريطانيون إلى
الجزرالبريطانية فى عملية إخلاء دنكرك الشهيرة ، والتى استمرت من يوم 28 مايو إلى
الثالث من يونيو 1940 ,والتى تم فيها جلاء حوالى 300.000 ( ثلاثمائة ألف ) جندى ..
وفى يوم 10 يونيو أعلن الدكتاتور الإيطالى ( بنيتوموسولينى ) الحرب على بريطانيا
وفرنسا ، وهنا انتقلت الحرب من أوربا إلى شمال أفريقيا ، وقد كانت ليبيا ـ أنذاك ـ
تحت الاحتلال الإيطالى ، بعد حرب بطولية خاضها الشعب الليبى من أكتوبر1911 إلى عام
1932، ولقد وقع قائد المقاومة شيخ الشهداء عمرالمختار فى الأسريوم 11 سبتمبر1931،
وتم إعدامه بعد محاكمة صورية فى مدينة بنغازى ، ثم أعدم شنقا ً فى يوم 16
سبتمبر1931 بمدينة سلوق
.jpg)
* حكم الإيطاليون ليبيا بالحديد والنار، واستولوا على الأراضى الخصبة لتوزيعها على
الإيطاليين ، كما مات عشرات الألوف فى معتقلات أشهرها وأشدها فتكا ً: ـ( معتقلي
البريقة والعقيلة )ـ كما كانت توجد معتقلات أخرى بالمنطقة الشرقية فى سلوق والمقرون
.وكما يكرر التاريخ نفسه ، يجرى تدمير بلاد الرافدين ، وإبادة شعب العراق العظيم .
وللحديث بقيـــــة .................